البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - قصة قوم لوط
ضيف إبراهيم و بشارتهم إياه بغلام عليم قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ* لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ* فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَ تَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ و قال في سورة الانشقاق كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ. نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ* وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ* وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ* وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* و قد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير* و قد ذكر اللَّه لوطا و قومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها مع قوم نوح و عاد و ثمود* و المقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم و ما أحل اللَّه بهم مجموعا من الآيات و الآثار و باللَّه المستعان* و ذلك أن لوطا (عليه السلام) لما دعاهم الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و نهاهم عن تعاطى ما ذكر اللَّه عنهم من الفواحش فلم يستجيبوا له و لم يؤمنوا به حتى و لا رجل واحد منهم و لم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم و لم يرتدعوا عن غيهم و ضلالهم و هموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم و ما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الإخراج و ما حملهم على مقالتهم هذه الا العناد و اللجاج فطهره اللَّه و أهله الا امرأته و أخرجهم منها أحسن إخراج و تركهم في محلتهم خالدين لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج و حر يتوهج و ماؤها ملح أجاج و ما كان هذا جوابهم الا لما نهاهم عن الطامة العظمى و الفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم اليها أحد من أهل الدنيا* و لهذا صاروا مثلة فيها و عبرة لمن عليها و كانوا مع ذلك يقطعون الطريق و يخونون الرفيق و يأتون في ناديهم و هو مجتمعهم و محل حديثهم و سمرهم المنكر من الأقوال و الأفعال على اختلاف أصنافه حتى قيل انهم كانوا يتضارطون في مجالسهم و لا يستحيون من مجالسهم و ربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل و لا يستنكفون و لا يرعوون لوعظ واعظ و لا نصيحة من عاقل و كانوا في ذلك و غيره كالأنعام بل أضل سبيلا و لم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر و لا ندموا على ما سلف من الماضي و لا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم اللَّه أخذا وبيلا و قالوا له فيما قالوا (ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم و حلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين و إله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار اللَّه لغيرته و غضب لغضبته و استجاب لدعوته و اجابه الى طلبته و بعث رسله الكرام و ملائكته العظام فمروا على الخليل إبراهيم و بشروه بالغلام العليم و أخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم و الخطب العميم (قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. لِنُرْسِلَ