البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - باب ذكر فضائل موسى (عليه السلام) و شمائله و صفاته و وفائه
ابن نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج علينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوما فقال عرضت على الأمم و رأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه.
هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا و قد
رواه الامام أحمد مطولا فقال حدثنا شريح حدثنا هشام حدثنا حصين بن عبد الرحمن. قال كنت عند سعيد بن جبير فقال أيكم رأى الكوكب الّذي انقض البارحة قلت أنا ثم قلت إني لم أكن في صلاة و لكن لدغت. قال و كيف فعلت قلت استرقيت. قال و ما حملك على ذلك قال قلت حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال لا رقية الا من عين أو حمة فقال سعيد يعنى ابن جبير قد أحسن من انتهى الى ما سمع ثم قال حدثنا ابن عباس عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال عرضت على الأمم فرأيت النبي و معه الرهط و النبي معه الرجل و الرجلان و النبي و ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فقلت هذه أمتى فقيل هذا موسى و قومه و لكن انظر الى الأفق فإذا سواد عظيم* ثم قيل انظر إلى هذا الجانب فإذا سواد عظيم فقيل هذه أمتك و معهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب ثم نهض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال بعضهم لعلهم الذين ولدوا في الإسلام و لم يشركوا باللَّه شيئا قط و ذكروا أشياء فخرج اليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ما هذا الّذي كنتم تخوضون فيه فأخبروه بمقالتهم فقال هم الذين لا يكتوون و لا يسترقون و لا يتطيرون و على ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محيصن الأسدي فقال أنا منهم يا رسول اللَّه قال أنت منهم* ثم قام آخر فقال أنا منهم يا رسول اللَّه فقال سبقك بها عكاشة.
و هذا الحديث له طرق كثيرة جدا و هو في الصحاح و الحسان و غيرها و سنوردها إن شاء اللَّه تعالى في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة و أهوالها. و قد ذكر اللَّه تعالى موسى (عليه السلام) في القرآن كثيرا و اثنى عليه و أورد قصته في كتابه العزيز مرارا و كررها كثيرا مطولة و مبسوطة و مختصرة و اثنى عليه بليغا. و كثيرا ما يقرنه اللَّه و يذكره و يذكر كتابه مع محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كتابه كما قال في سورة البقرة وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ و قال تعالى الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ و قال تعالى في سورة الانعام وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فاثنى تعالى على التوراة ثم مدح