البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - فصل
فصل
قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز «اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» فكل ما سواه تعالى فهو مخلوق له، مربوب مدبّر، مكوّن بعد أن لم يكن محدث بعد عدمه. فالعرش الّذي هو سقف المخلوقات الى ما تحت الثرى، و ما بين ذلك من جامد و ناطق الجميع خلقه، و ملكه و عبيده و تحت قهره و قدرته، و تحت تصريفه و مشيئته «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ. يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها، وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» و قد أجمع العلماء قاطبة لا يشك في ذلك مسلم أن اللَّه خلق السموات و الأرض، و ما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن الكريم. فاختلفوا في هذه الأيام أ هي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون؟ على قولين كما بينا ذلك في التفسير، و سنتعرض لإيراده في موضعه. و اختلفوا هل كان قبل خلق السموات و الأرض شيء مخلوق قبلهما. فذهب طوائف من المتكلمين الى انه لم يكن قبلهما شيء و أنهما خلقتا من العدم المحض. و قال آخرون بل كان قبل السموات و الأرض مخلوقات أخر لقوله «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» الآية. و
في حديث عمران ابن حصين كما سيأتي «كان اللَّه و لم يكن قبله شيء و كان عرشه على الماء و كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات و الأرض»
و قال الامام أحمد بن حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى ابن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبى رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال «يا رسول اللَّه أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الأرض؟ قال كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء» و رواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به. و لفظه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ و باقيه سواء و أخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع و ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة و محمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، و قال الترمذي حسن.
و اختلف هؤلاء في أيها خلق أولا؟ فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، و هذا هو اختيار ابن جرير، و ابن الجوزي، و غيرهما قال ابن جرير، و بعد القلم السحاب الرقيق. و احتجوا بالحديث الّذي
رواه الامام أحمد، و أبو داود و الترمذي عن عبادة بن الصامت رضى اللَّه عنه: قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إن أول ما خلق اللَّه القلم. ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن الى يوم القيامة»
لفظ أحمد. و قال الترمذي حسن صحيح غريب. و الّذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمدانيّ و غيره (أن العرش مخلوق قبل ذلك) و هذا هو الّذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك
الحديث الّذي رواه