البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٤ - ذكر نبوة يوشع و قيامه بأعباء بنى إسرائيل بعد موسى و هارون (عليهما السلام)
فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول و لتبايعني قبيلتك فبايعته قبيلته فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غللتم فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال فوضعوه بالمال و هو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن اللَّه رأى ضعفنا و عجزنا فطيبها لنا. انفرد به مسلم من هذا الوجه. و قد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة عن عبيد اللَّه عن سعيد المقبري عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحوه. قال و رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري قال و رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و المقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا متواضعين شاكرين للَّه عز و جل على ما من به عليهم من الفتح العظيم الّذي كان اللَّه وعدهم إياه و ان يقولوا حال دخولهم حطة أي حط عنا خطيانا التي سلفت من نكولنا الّذي تقدم منا. و لهذا لما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة يوم فتحها دخلها و هو راكب ناقته و هو متواضع حامد شاكر حتى أن عثنونه و هو طرف لحيته ليمس مورك رحله مما يطأطئ رأسه خضعانا للَّه عز و جل و معه الجنود و الجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق و لا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم لما دخلها اغتسل و صلّى ثماني ركعات و هي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء. و قيل إنها صلاة الضحى و ما حمل هذا القائل على قوله هذا الا لأنها وقعت وقت الضحى. و اما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا و فعلا دخلوا الباب يزحفون على أستاههم يقولون حبة في شعرة و في رواية حنطة في شعرة. و حاصله أنهم بدلوا ما أمروا به و استهزءوا به كما قال تعالى حاكيا عنهم في سورة الأعراف و هي مكية (وَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَ كُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) و قال في سورة البقرة و هي مدنية مخاطبا لهم وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. و قال الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً قال ركعا من باب صغير. رواه الحاكم و ابن جرير و ابن أبى حاتم و كذا روى العوفيّ عن ابن عباس و كذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء. قال مجاهد و السدي و الضحاك و الباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس. قال ابن مسعود فدخلوا مقنعي رءوسهم ضد ما أمروا به و هذا لا ينافي قول ابن عباس أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم. و هكذا في الحديث الّذي سنورده بعد فإنهم دخلوا يزحفون و هم مقنعوا رءوسهم. و قوله وَ قُولُوا حِطَّةٌ الواو هنا حالية لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم حطة. قال ابن عباس و عطاء و الحسن و قتادة و الربيع