البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥ - باب ما ورد في خلق السموات و الأرض و ما بينهما
باب ما ورد في خلق السموات و الأرض و ما بينهما
قال اللَّه تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و قال تعالى خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ في غير ما آية من القرآن و قد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين. فالجمهور على أنها كايامنا هذه. و عن ابن عباس، و مجاهد و الضحاك، و كعب الأحبار: ان كل يوم منها كالف سنة مما تعدون. رواهن ابن جرير، و ابن أبى حاتم. و اختار هذا القول الامام أحمد ابن حنبل في كتابه الّذي رد فيه على الجهمية، و ابن جرير و طائفة من المتأخرين و اللَّه أعلم. و سيأتي ما يدل على هذا القول. و روى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم، و غيره أن أسماء الأيام الستة «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت» و حكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروى عن محمد بن إسحاق أنه قال «يقول أهل التوراة ابتدأ اللَّه الخلق يوم الأحد، و يقول أهل الإنجيل: ابتدأ اللَّه الخلق يوم الاثنين، و نقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابتدأ اللَّه الخلق يوم السبت» و هذا القول الّذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال اليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، و غيرهم. و سيأتي فيه حديث أبى هريرة (خلق اللَّه التربة يوم السبت) و القول بانه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبى مالك، و أبى صالح عن ابن عباس، و عن مرة عن ابن مسعود، و عن جماعة من الصحابة و رواه أيضا عن عبد اللَّه ابن سلام، و اختاره ابن جرير. و هو نص التوراة، و مال اليه طائفة آخرون من الفقهاء. و هو أشبه بلفظ الأحد و لهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع و هو اليوم الّذي أضل اللَّه عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه ان شاء اللَّه. و قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و قال تعالى قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء كما قال تعالى اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال تعالى أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً الى ان قال وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً و قال أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا