البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - باب ما ورد في خلق السموات و الأرض و ما بينهما
مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ أي فصلنا ما بين السماء و الأرض حتى هبت الرياح و نزلت الأمطار و جرت العيون، و الأنهار و انتعش الحيوان. ثم قال وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت، و السيارات و النجوم الزاهرات و الاجرام النيرات، و ما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الأرض و السموات كما قال تعالى وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ فأما قوله تعالى أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها، وَ الْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض. فخالفوا صريح الآيتين المتقدمتين و لم يفهموا هذه الآية الكريمة فان مقتضى هذه الآية أن دحى الأرض و إخراج الماء و المرعى منها بالفعل بعد خلق السماء. و قد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي هيأ أماكن الزرع و مواضع العيون و الأنهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلى و العلويّ دحى الأرض فأخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون و جرت الأنهار، و نبت الزرع و الثمار و لهذا فسر الدحى بإخراج الماء و المرعى منها و إرساء الجبال فقال وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها و قوله وَ الْجِبالَ أَرْساها أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها و ثبتها و أكدها و أطدها و قوله وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ، وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ، وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ بأيد أي بقوة. و أنا لموسعون، و ذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. و لهذا كان الكرسي أعلى من السموات. و هو أوسع منهن كلهن، و العرش أعظم من ذلك كله بكثير. و قوله بعد هذا وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها أي بسطناها و جعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة و لا مائدة بكم. و لهذا قال فَنِعْمَ الْماهِدُونَ و الواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع. و إنما يقتضي الاخبار المطلق في اللغة و اللَّه أعلم* و
قال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبى حدثنا الأعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال «دخلت على النبي صلّى اللَّه و عليه و سلّم و عقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بنى تميم فقال أقبلوا البشرى يا بنى تميم» قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال «أقبلوا البشرى يا أهل اليمن ان لم يقبلها بنو تميم» قالوا قد قبلنا يا رسول اللَّه قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال «كان اللَّه و لم يكن شيء غيره و كان عرشه على الماء و كتب في الذكر كل شيء و خلق السموات و الأرض» فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فو اللَّه لوددت انى كنت تركتها»
هكذا رواه هاهنا و قد رواه في كتاب المغازي