البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١ - فصل فيما ورد في صفة خلق العرش و الكرسي
حديثه «ان اللَّه فوق عرشه و عرشه فوق سماواته» و ساق الحديث. و قال عبد الأعلى و ابن المثنى و ابن بشار عن يعقوب بن عقبة و جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، قال أبو داود و الحديث باسناد أحمد بن سعيد و هو الصحيح. وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين و على بن المديني و رواه جماعة منهم عن ابن إسحاق كما قال احمد أيضا، و كان سماع عبد الأعلى و ابن المثنى و ابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني. تفرد بإخراجها أبو داود، و قد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقيّ جزءا في الرد على هذا الحديث. سماه (ببيان الوهم و التخليط الواقع في حديث الأطيط) و استفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه. و ذكر كلام الناس فيه، و لكن قد روى هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن إسحاق،
فرواه عبد بن حميد و ابن جرير في تفسيريهما، و ابن أبى عاصم و الطبراني في كتابي السنة لهما، و البزار في مسندة و الحافظ الضياء المقدسي في مختارته من طريق أبى إسحاق السبيعي عن عبد اللَّه بن خليفة عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال «أتت امرأة الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت ادع اللَّه أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب تبارك و تعالى و قال «ان كرسيه وسع السموات و الأرض و إن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله.
عبد اللَّه بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور. و في سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه موقوفا و مرسلا، و منهم من يزيد فيه زيادة غريبة و اللَّه أعلم* و ثبت
في صحيح البخاري عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال «إذا سألتم اللَّه الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة و أوسط الجنة و فوقه عرش الرحمن».
يروى و فوقه بالفتح على الظرفية، و بالضم. قال شيخنا الحافظ المزي و هو أحسن، أي و أعلاها عرش الرحمن. و قد جاء في بعض الآثار (أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش و هو تسبيحه و تعظيمه) و ما ذاك الا لقربهم منه. و
في الصحيح أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.
و ذكر الحافظ بن الحافظ محمد ابن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف «أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة» و ذكرنا عند قوله تعالى «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» أنه بعد ما بين العرش الى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة و اتساعه خمسون ألف سنة. و قد ذهب طائفة من أهل الكلام الى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة و لذا سموه الفلك التاسع و الفلك الأطلس و الأثير. و هذا ليس بجيد لانه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، و الفلك لا يكون له قوائم و لا يحمل، و أيضا فإنه فوق الجنة و الجنة فوق السموات و فيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء و الأرض فالبعد الّذي بينه و بين الكرسي ليس هو نسبة فلك الى فلك. و أيضا فان العرش في اللغة عبارة عن السرير