البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٥ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
و هذا الخلاف قريب* و قد أبهم اللَّه ذكرها و تعيينها* و لو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن* و انما الخلاف الّذي ذكروه في ان هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الأرض هو الخلاف الّذي ينبغي فصله و الخروج منه و الجمهور على انها هي التي في السماء و هي جنة المأوى لظاهر الآيات و الأحاديث كقوله تعالى وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ و الالف و اللام ليست للعموم و لا لمعهود لفظي و انما تعود على معهود ذهني و هو المستقر شرعا من جنة المأوى و كقول موسى (عليه السلام) لآدم (عليه السلام) (علام أخرجتنا و نفسك من الجنة) الحديث كما سيأتي الكلام عليه* و
روى مسلم في صحيحه من حديث أبى مالك الأشجعي و اسمه سعد بن طارق عن أبى حازم سلمة بن دينار عن أبى هريرة* و أبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (يجمع اللَّه الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول و هل أخرجكم من الجنة الا خطيئة أبيكم) و ذكر الحديث بطوله
* و هذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على انها جنة المأوى و ليست تخلو عن نظر* و قال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد لانه كلف فيها ان لا يأكل من تلك الشجرة و لانه نام فيها و أخرج منها و دخل عليه إبليس فيها و هذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. و هذا القول محكي عن أبى بن كعب و عبد اللَّه بن عباس و وهب بن منبه و سفيان بن عيينة و اختاره ابن قتيبة في المعارف و القاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره و أفرد له مصنفا على حدة. و حكاه عن أبى حنيفة الامام و أصحابه (رحمهم اللَّه). و نقله أبو عبد اللَّه محمد بن عمر الرازيّ بن خطيب الرىّ في تفسيره عن أبى القاسم البلخي و أبى مسلم الأصبهاني. و نقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة و القدرية* و هذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب* و ممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل و النحل و أبو محمد بن عطية في تفسيره و ابو عيسى الرماني في تفسيره* و حكى عن الجمهور الأول. و ابو القاسم الراغب و القاضي الماوردي في تفسيره فقال و اختلف في الجنة التي أسكناها يعنى آدم و حواء على قولين* أحدهما انها جنة الخلد* الثاني جنة أعدها اللَّه لهما و جعلها دار ابتلاء و ليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء. و من قال بهذا اختلفوا على قولين* أحدهما انها في السماء لانه أهبطهما منها و هذا قول الحسن* و الثاني أنها في الأرض لانه امتحنهما فيها بالنهى عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. و هكذا قول ابن يحيى و كان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم و اللَّه أعلم بالصواب من ذلك* هذا كلامه. فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة و أشعر كلامه أنه متوقف في المسألة. و لقد حكى