البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ. قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ و المقصود أن فرعون كذب و افترى و كفر غاية الكفر في قوله إنه لكبيركم الّذي علمكم السحر و أتى ببهتان يعلمه العالمون بل العالمون في قوله إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ و قوله لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعنى يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى و عكسه وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أي ليجعلهم مثلة و نكالا لئلا يقتدى بهم أحد من رعيته و أهل ملته و لهذا قال وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي على جذوع النخل لأنها أعلى و أشهر وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ أَبْقى يعنى في الدنيا قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ أي لن نطيعك و نترك ما وقر في قلوبنا من البينات و الدلائل القاطعات وَ الَّذِي فَطَرَنا قيل معطوف. و قيل قسم فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي فافعل ما قدرت عليه إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا فإذا انتقلنا منها الى الدار الآخرة صرنا الى حكم الّذي أسلمنا له و اتبعنا رسله إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى أي و ثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب و الترغيب و أبقى أي و أدوم من هذه الدار الفانية و في الآية الأخرى قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أي ما اجترمناه من المآثم و المحارم أن كنا أول المؤمنين أي من القبط بموسى و هارون (عليهما السلام)* و قالوا له أيضا وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا أي ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا و اتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد و السلطان الشديد بل الشيطان المريد وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ و قالوا أيضا يعظونه و يخوفونه بأس ربه العظيم إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى يقولون له فإياك أن تكون منهم فكان منهم وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى أي المنازل العالية جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى فاحرص أن تكون منهم فحالت بينه و بين ذلك الأقدار التي لا تغالب و لا تمانع و حكم العلى العظيم بان فرعون لعنه اللَّه من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم يصب من فوق رأسه الحميم* و يقال له على وجه التقريع و التوبيخ و هو المقبوح المنبوح و الذميم اللئيم ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ و الظاهر من هذه السياقات أن فرعون لعنه اللَّه صلبهم و عذبهم رضى اللَّه عنهم. قال عبد اللَّه بن عباس و عبيد بن عمير كانوا من أول النهار سحرة فصاروا من آخره شهداء بررة* و يؤيد هذا قولهم رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.