البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٣ - باب ذكر فضائل موسى (عليه السلام) و شمائله و صفاته و وفائه
قال بعض السلف كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند اللَّه و طلب منه أن يكون معه وزيرا فأجابه اللَّه الى سؤاله و أعطاه طلبته و جعله نبيا كما قال (وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا) ثم
قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة حدثنا الأعمش سألت أبا وائل قال سمعت عبد اللَّه قال قسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قسما فقال رجل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللَّه فأتيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه* ثم قال يرحم اللَّه موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر. و كذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به.
و قال الامام أحمد حدثنا أحمد بن حجاج سمعت إسرائيل ابن يونس عن الوليد بن أبى هاشم مولى لهمدان عن زيد بن أبى زائد عن عبد اللَّه بن مسعود قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه لا يبلغني أحد عن أحد شيئا فانى أحب أن أخرج إليكم و أنا سليم الصدر قال و أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مال فقسمه قال فمررت برجلين و أحدهما يقول لصاحبه و اللَّه ما أراد محمد بقسمته وجه اللَّه و لا الدار الآخرة فثبت حتى سمعت ما قالا. ثم أتيت رسول اللَّه فقلت يا رسول اللَّه إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابى شيئا و انى مررت بفلان و فلان و هما يقولان كذا و كذا فاحمر وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و شق عليه. ثم قال دعنا منك فقد أوذى موسى أكثر من ذلك فصبر. و هكذا رواه أبو داود و الترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن ابى هاشم به و في رواية للترمذي و لأبى داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدي عن الوليد به و قال الترمذي غريب من هذا الوجه.
و قد ثبت في الصحيحين في أحاديث الاسراء أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مر بموسى و هو قائم يصلى في قبره. و رواه مسلم عن أنس. و
في الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه مر ليلة اسرى به بموسى في السماء السادسة فقال له جبريل هذا موسى فسلم عليه قال فسلمت عليه فقال مرحبا بالنبيّ الصالح و الأخ الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكى لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتى. و ذكر إبراهيم في السماء السابعة.
و هذا هو المحفوظ و ما وقع في حديث شريك ابن أبى نمر عن أنس من أن إبراهيم في السادسة و موسى في السابعة بتفضيل كلام اللَّه فقد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الّذي عليه الجادة أن موسى في السادسة و إبراهيم في السابعة و انه مسند ظهره الى البيت المعمور الّذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم. و اتفقت الروايات كلها على أن اللَّه تعالى لما فرض على محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمته خمسين صلاة في اليوم و الليلة فمر بموسى قال ارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك فانى قد عالجت بنى إسرائيل قبلك أشد المعالجة و ان أمتك أضعف اسماعا و ابصارا و أفئدة فلم يزل يتردد بين موسى و بين اللَّه عز و جل و يخفف عنه في كل مرة حتى صارت الى خمس صلوات في اليوم و الليلة و قال اللَّه تعالى هي خمس و هي خمسون أي بالمضاعفة فجزى اللَّه عنا محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيرا و جزى اللَّه عنا موسى (عليه السلام) خيرا. و
قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا حصين