البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
الكلام شقا ثيابهما و إن موسى و هارون سجدا إعظاما لهذا الكلام و غضبا للَّه عز و جل و شفقة عليهم من وبيل هذه المقالة قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال ابن عباس اقض بيني و بينهم. قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ عوقبوا على نكولهم بالتيهان في الأرض يسيرون الى غير مقصد ليلا و نهارا و صباحا و مساء و يقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة و لم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع و كالب (عليهما السلام). لكن أصحاب محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى بل لما استشارهم في الذهاب الى النفير تكلم الصديق فأحسن و غيره من المهاجرين ثم جعل يقول أشيروا على حتى قال سعد بن معاذ كأنك تعرض بنا يا رسول اللَّه فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد و ما نكره أن يلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل اللَّه يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة اللَّه. فسر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقول سعد و بسطه ذلك. و قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن مخارق ابن عبد اللَّه الأحمسي عن طارق هو ابن شهاب أن المقداد قال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بدر يا رسول اللَّه إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون* و هذا إسناد جيد من هذا الوجه و له طرق أخرى. قال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال قال عبد اللَّه بن مسعود لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب الى مما عدل به أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يدعو على المشركين قال و اللَّه يا رسول اللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ و لكنا نقاتل عن يمينك و عن يسارك و من بين يديك و من خلفك فرأيت وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يشرق لذلك و سر بذلك رواه البخاري في التفسير و المغازي من طرق عن مخارق به.
و قال الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا على بن الحسن بن على حدثنا أبو حاتم الرازيّ حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما سار الى بدر استشار المسلمين فاشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالوا إذا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ و الّذي بعثك بالحق إن ضربت أكبادها الى برك الغماد لاتبعناك رواه الامام أحمد عن عبيدة بن حميد عن حميد الطويل عن أنس به و رواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد عن أنس به نحوه و أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبى يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معتمر عن حميد عن أنس به نحوه
*