البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٣ - * قصة نوح (عليه السلام)
على وجه الأرض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف. و لا صغير و لا كبير* قال الامام مالك عن زيد ابن أسلم كان أهل ذلك الزمان قد ملئوا السهل و الجبل* و قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (لم تكن بقعة في الأرض الا و لها مالك و حائز) رواهما ابن أبى حاتم. (وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) و هذا الابن هو يام أخو سام و حام و يافث* و قيل اسمه كنعان. و كان كافرا عمل عملا غير صالح فخالف أباه في دينه و مذهبه فهلك مع من. هلك هذا.
و قد نجا مع أبيه الأجانب في النسب لما كانوا موافقين في الدين و المذهب (وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي لما فرغ من أهل الأرض و لم يبق منها أحد ممن عبد غير اللَّه عز و جل أمر اللَّه الأرض ان تبلع ماءها و أمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر (و غيض الماء) أي نقص عما كان (و قضى الأمر) أي وقع بهم الّذي كان قد سبق في علمه و قدره من إحلاله بهم ما حل بهم. (وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي نودي عليهم بلسان القدرة بعدا لهم من الرحمة و المغفرة كما قال تعالى فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ و قال تعالى فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ جَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ و قال تعالى وَ نَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ و قال تعالى فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ و قال تعالى فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ وَ جَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ و قال تعالى ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ و قال وَ لَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَ نُذُرِ. وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ و قال تعالى مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً. وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً و قد استجاب اللَّه تعالى و له الحمد و المنة دعوته فلم يبق منهم عين تطرف* و قد
روى الامامان أبو جعفر بن جرير و أبو محمد بن أبى حاتم في تفسيريهما من طريق يعقوب ابن محمد الزهري عن قائد مولى عبد اللَّه بن أبى رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة أخبره ان عائشة أم المؤمنين أخبرته ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (فلو رحم اللَّه من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبى) قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكث نوح (عليه السلام) في قومه ألف سنة (يعنى الا خمسين عاما) و غرس مائة سنة الشجر فعظمت و ذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة و يمرون عليه و يسخرون منه و يقولون تعمل سفينة في البر كيف تجرى قال سوف تعلمون* فلما فرغ و نبع الماء و صار في السكك خشيت أم الصبى