البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
لك و أنت في دار فرعون و أنت تحت كنفى و حفظي و لطفي ثم أخرجتك من أرض مصر الى أرض مدين بمشيئتي و قدرتي و تدبيري فلبثت فيها سنين ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ أي منى لذلك فوافق ذلك تقديري و تسييري وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي اصطفيتك لنفسي برسالتي و بكلامي اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي يعنى و لا تفترا في ذكرى إذ قدمتما عليه و وفدتما اليه فان ذلك عون لكما على مخاطبته و مجاوبته و إهداء النصيحة اليه و إقامة الحجة عليه. و قد جاء في بعض الأحاديث يقول اللَّه تعالى إن عبدي كل عبدي الّذي يذكرني و هو ملاق قرنه قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً الآية ثم قال تعالى اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى و هذا من حلمه تعالى و كرمه و رأفته و رحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون و عتوه و تجبره و هو إذ ذاك أردى خلقه و قد بعث اليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان و مع هذا يقول لهما و يأمرهما أن يدعواه اليه بالتي هي أحسن برفق و لين و يعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» و قال تعالى وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ الآية قال الحسن البصري فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أعذرا اليه قولا له ان لك ربا و لك معادا و إن بين يديك جنة و نارا. و قال وهب بن منبه قولا له إني الى العفو و المغفرة أقرب منى الى الغضب و العقوبة. قال يزيد الرقاشيّ عند هذه الآية يا من يتحبب الى من يعاديه فكيف بمن يتولاه و يناديه قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى و ذلك أن فرعون كان جبارا عنيدا و شيطانا مريدا له سلطان في بلاد مصر طويل عريض و جاه و جنود و عساكر و سطوة فهاباه من حيث البشرية و خافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر فثبتهما تعالى و هو العلى الأعلى فقال لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى كما قال في الآية الأخرى إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ. فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا الى فرعون فيدعواه الى اللَّه تعالى أن يعبده وحده لا شريك له و أن يرسل معهم بنى إسرائيل و يطلقهم من أسره و قهره و لا يعذبهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ و هو البرهان العظيم في العصي و اليد وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى تقيد مفيد بليغ عظيم. ثم تهدداه و توعداه على التكذيب فقالا إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى أي كذب بالحق بقلبه و تولى عن العمل بقالبه.
و قد ذكر السدي و غيره أنه لما قدم من بلاد مدين دخل على أمه و أخيه هارون و هما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل و هو اللفت فأكل معهما* ثم قال يا هارون إن اللَّه أمرنى و أمرك أن ندعو فرعون الى عبادته فقم معى فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق فقال موسى للبوابين و الحجبة