البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - قصة مدين قوم شعيب (عليه السلام)
و لا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لرداءتها و دناءتها فصارت عبرة و مثلة و عظة و آية على قدرة اللَّه تعالى و عظمته و عزته في انتقامه ممن خالف أمره و كذب رسله و اتبع هواه و عصى مولاه. و دليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات. و إخراجه إياهم من النور الى الظلمات كما قال تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ و قال تعالى فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي من نظر بعين الفراسة و التوسم فيهم كيف غير اللَّه تلك البلاد و أهلها و كيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة. هالكة غامرة. كما
روى الترمذي و غيره مرفوعا (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه)
ثم قرأ (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) و قوله (وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أي لبطريق مهيع مسلوك الى الآن كما قال وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ و قال تعالى وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و قال تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ تَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي تركناها عبرة و عظة لمن خاف عذاب الآخرة و خشي الرحمن بالغيب و خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم اللَّه و ترك معاصيه و خاف أن يشابه قوم لوط (و من تشبه بقوم فهو منهم) و إن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره اللَّه به عز و جل و يقبل ما أرشده اليه رسول اللَّه من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال. و الجواري من السراري ذوات الجمال. و إياه أن يتبع كل شيطان مريد. فيحق عليه الوعيد. و يدخل في قوله تعالى وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
قصة مدين قوم شعيب (عليه السلام)
قال اللَّه تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ. وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ. قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا