البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم اللَّه عنهم
يخور العجل الحقيقي. و يقال إنه استحال عجلا جسدا أي لحما و دما حيا يخور. قاله قتادة و غيره و قيل بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة فيرقصون حوله و يفرحون فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي فنسي موسى ربه عندنا و ذهب يتطلبه و هو هاهنا تعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرا و تقدست أسماؤه و صفاته و تضاعفت آلاؤه و عداته. قال اللَّه تعالى مبينا بطلان ما ذهبوا اليه و ما عولوا عليه من إلهية هذا الّذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما و شيطانا رجيما أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً و قال أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَ كانُوا ظالِمِينَ فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم و لا يرد جوابا و لا يملك ضرا و لا نفعا و لا يهدى الى رشد اتخذوه و هم ظالمون لأنفسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل و الضلال وَ لَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ندموا على ما صنعوا وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. و لما رجع موسى (عليه السلام) اليهم و رأى ما هم عليه من عبادة العجل و معه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها فيقال إنه كسرها. و هكذا هو عند أهل الكتاب و إن اللَّه أبدله غيرها و ليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين. و عند أهل الكتاب أنهما كانا لوحين و ظاهر القرآن أنها ألواح متعددة و لم يتأثر بمجرد الخبر من اللَّه تعالى عن عبادة العجل فأمره بمعاينة ذلك. و لهذا جاء
في الحديث الّذي رواه الامام أحمد و ابن حبان عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ليس الخبر كالمعاينة)
ثم أقبل عليهم فعنفهم و وبخهم و هجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا اليه بما ليس بصحيح قالوا إنا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ تحرجوا من تملك حلى آل فرعون و هم أهل حرب و قد أمرهم اللَّه بأخذه و أباحه لهم و لم يتحرجوا بجهلهم و قلة علمهم و عقلهم من عبادة العجل الجسد الّذي له خوار مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار. ثم أقبل على أخيه هارون (عليهما السلام) قائلا له يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتنى فاعلمتنى بما فعلوا فقال إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي تركتهم و جئتني و أنت قد استخلفتني فيهم قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ و قد كان هارون (عليه السلام) نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهى و زجرهم عنه أتم الزجر قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ أي إنما قدر اللَّه أمر هذا العجل و جعله يخور فتنة و اختبارا لكم وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ أي لا هذا فَاتَّبِعُونِي أي فيما أقول لكم وَ أَطِيعُوا أَمْرِي. قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى يشهد اللَّه لهارون (عليه السلام) وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أنه نهاهم و زجرهم عن ذلك فلم يطيعوه و لم يتبعوه ثم أقبل موسى على السامري قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُ أي ما حملك على ما صنعت قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي رأيت جبرائيل و هو راكب