البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٣ - سؤال الرؤية
و الاغذية الردية و لكنى لست أجيبكم الى سؤال ذلك هاهنا و لا أبلغكم ما تعنتم به من المنى و كل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه كما قال تعالى وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى أي فقد هلك و حق له و اللَّه الهلاك و الدمار و قد حل عليه غضب الملك الجبار و لكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب و تاب و لم يستمر على متابعة الشيطان المريد فقال وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
سؤال الرؤية
قال تعالى وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً. فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ. وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قال جماعة من السلف منهم ابن عباس و مسروق و مجاهد الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله و أتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة فعلى هذا يكون كلام اللَّه له يوم عيد النحر و في مثله أكمل اللَّه عز و جل لمحمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دينه و أقام حجته و براهينه. و المقصود أن موسى (عليه السلام) لما استكمل الميقات و كان فيه صائما يقال إنه لم يستطعم الطعام فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه فامر اللَّه أن يمسك عشرا أخرى فصارت أربعين ليلة. و لهذا ثبت في الحديث أن خلو فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بنى إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل و هو ابن أمه و أبيه و وزيره في الدعوة الى مصطفيه فوصاه و أمره و ليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة قال اللَّه تعالى وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي في الوقت الّذي أمر بالمجيء فيه وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ أي كلمه اللَّه من وراء حجاب الا أنه أسمعه الخطاب فناداه و ناجاه و قربه و أدناه و هذا مقام رفيع و معقل منيع و منصب شريف و منزل منيف فصلوات اللَّه عليه تترى و سلامه عليه في الدنيا و الأخرى* و لما أعطى هذه المنزلة