البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - سؤال الرؤية
العلية و المرتبة السنية و سمع الخطاب سأل رفع الحجاب فقال للعظيم الّذي لا تدركه الابصار القوى البرهان رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي. ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك و تعالى لان الجبل الّذي هو أقوى و أكبر ذاتا و أشد ثباتا من الإنسان لا يثبت عند التجلي من الرحمان و لهذا قال وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي و في الكتب المتقدمة أن اللَّه تعالى قال له يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات و لا يابس إلا تدهده و
في الصحيحين عن أبى موسى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انه قال حجابه النور.
و في رواية النار لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه. و قال ابن عباس في قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ذاك نوره الّذي هو نوره إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء و لهذا قال تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. قال مجاهد وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فإنه أكبر منك و أشد خلقا فلما تجلى ربه للجبل فنظر الى الجبل لا يتمالك و أقبل الجبل فدك على أوله و رأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا* و قد ذكرنا في التفسير ما رواه الامام احمد و الترمذي و صححه ابن جرير و الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت.
زاد
ابن جرير و ليث عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قرأ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال هكذا بإصبعه و وضع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل
لفظ ابن جرير. و قال السدي عن عكرمة و عن ابن عباس ما تجلى يعنى من العظمة الا قدر الخنصر فجعل الجبل دكا قال ترابا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً أي مغشيا عليه و قال قتادة ميتا. و الصحيح الأول لقوله فَلَمَّا أَفاقَ فان الافاقة انما تكون عن غشي قال سُبْحانَكَ تنزيه و تعظيم و إجلال أن يراه بعظمته أحد تُبْتُ إِلَيْكَ أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أنه لا يراك حي إلا مات و لا يابس إلا تدهده. و قد ثبت
في الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن ابى حسن المازني الأنصاري عن أبيه عن أبى سعيد الخدريّ قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (لا تخيرونى من بين الأنبياء فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور) لفظ البخاري و في أوله قصة اليهودي الّذي لطم وجهه الأنصاري حين قال لا و الّذي اصطفى موسى على البشر فقال رسول اللَّه (لا تخيرونى من بين الأنبياء). و في الصحيحين من طريق الزهري عن أبى سلمة و عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه و فيه (لا تخيرونى على موسى) و ذكر تمامه.
و هذا من باب الهضم و التواضع أو نهى عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب و العصبية أو ليس هذا إليكم بل اللَّه هو الّذي رفع بعضهم فوق بعض درجات و ليس ينال هذا بمجرد الرأى بل بالتوقيف. و من قال ان هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ثم نسخ باطلاعه على أفضليته