البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٣ - قصة صالح (عليه السلام) نبي ثمود
وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم و تعملوا بخلاف عملهم و أباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور و تنحتون من الجبال بيوتا فارهين أي حاذقين في صنعتها و إتقانها و إحكامها فقابلوا نعمة اللَّه بالشكر و العمل الصالح و العبادة له وحده لا شريك له و إياكم و مخالفته و العدول عن طاعته فان عاقبة ذلك و خيمة و لهذا وعظهم بقوله أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ. فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ أي متراكم كثير حسن بهي ناضج (وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ) و قال لهم أيضا (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) أي هو الّذي خلقكم فأنشأكم من الأرض و جعلكم عمارها أي أعطاكموها بما فيها من الزروع و الثمار فهو الخالق الرزاق فهو الّذي يستحق العبادة وحده لا سواه (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي أقلعوا عما أنتم فيه و أقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم و يتجاوز عنكم (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا هذه المقالة و هي دعاؤك إيانا الى إفراد العبادة و ترك ما كنا نعبده من الأنداد و العدول عن دين الاباء و الأجداد و لهذا قالوا (أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَ إِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ- قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) و هذا تلطف منه لهم في العبارة و لين الجانب و حسن تأت في الدعوة لهم الى الخير أي فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم و أدعوكم اليه ما ذا عذركم عند اللَّه و ما ذا يخلصكم بين يديه و أنتم تطلبون منى أن اترك دعاءكم الى طاعته و أنا لا يمكنني هذا لانه واجب على و لو تركته لما قدر أحد منكم و لا من غيركم أن يجيرني منه و لا ينصرني فأنا لا أزال أدعوكم الى اللَّه وحده لا شريك له حتى يحكم اللَّه بيني و بينكم و قالوا له أيضا (إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي من المسحورين يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا الى إفراد العبادة للَّه وحده و خلع ما سواه من الأنداد و هذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين* و قيل من المسحرين أي ممن له سحر. و هي الرئة كأنهم يقولون انما أنت بشر له سحر و الأول أظهر لقولهم بعد هذا ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا* و قولهم (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم (قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) و قال (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) و قال تعالى وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها*