البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٢ - ذكر هلاك فرعون و جنوده
نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ. وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ وَ آتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ فقوله تعالى وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً أي ساكنا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة. قاله عبد اللَّه بن عباس و مجاهد و عكرمة و الربيع و الضحاك و قتادة و كعب الأحبار و سماك بن حرب و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم و غيرهم* فلما تركه على هيئته و حالته و انتهى فرعون فرأى ما رأى و عاين ما عاين هاله هذا المنظر العظيم و تحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم فأحجم و لم يتقدم و ندم في نفسه على خروجه في طلبهم و الحالة هذه حيث لا ينفعه الندم لكنه أظهر لجنوده تجلدا و عاملهم معاملة العدا و حملته النفس الكافرة و السجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه و على باطله تابعوه انظروا كيف أنحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي الخارجين عن طاعتي و بلدي و جعل يورى في نفسه أن يذهب خلفهم و يرجو أن ينجو و هيهات و يقدم تارة و يحجم تارات. فذكروا أن جبريل (عليه السلام) تبدي في صورة فارس راكب على رمكة حايل فمر بين يدي فحل فرعون لعنه اللَّه فحمحم اليها و أقبل عليها و أسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحر و استبق الجواد و قد أجاد فبادر مسرعا هذا و فرعون لا يملك من نفسه ضرا و لا نفعا فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين حتى هم أولهم بالخروج منه فعند ذلك أمر اللَّه تعالى كليمه فيما أوحاه اليه أن يضرب البحر بعصاه فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان فلم ينج منهم إنسان قال اللَّه تعالى وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي في انجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد و اغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد آية عظيمة و برهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة و صدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة و المناهج المستقيمة و قال تعالى وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط و أنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة و ترفعه أخرى و بنو إسرائيل ينظرون إليه و إلى جنوده ما ذا أحل اللَّه به و بهم من البأس العظيم و الخطب الجسيم ليكون أقر لا عين بنى إسرائيل و أشفى لنفوسهم فلما عاين فرعون الهلكة و أحيط به و باشر سكرات الموت أناب حينئذ و تاب و آمن حين لا ينفع نفسا إيمانها كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ و قال تعالى فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ و هكذا دعا