البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣ - فصل في البحار و الأنهار
تعالى في أرض و يسوقها الى أخرى رزقا للعباد. و منها كبار و منها صغار بحسب الحاجة و المصلحة. و قد تكلم أصحاب علم الهيئة و التفسير على تعداد البحار و الأنهار الكبار و أصول منابعها و الى اين ينتهى سيرها بكلام فيه حكم و دلالات على قدرة الخالق تعالى، و أنه فاعل بالاختيار و الحكمة- و قوله تعالى وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فيه قولان أحدهما ان المراد به البحر الّذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال. و انه فوق السموات السبع بين أسفله و أعلاه كما بين سماء الى سماء، و هو الّذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الأجساد من قبورها. و هذا القول هو اختيار الربيع بن أنس. و الثاني أن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض و هو قول الجمهور* و اختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء و قيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن على و ابن عباس و سعيد بن جبير و ابن مجاهد و غيرهم. و قيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الأرض و من عليها فيغرقوا. رواه الوالبي عن ابن عباس و هو قول السدي و غيره و يؤيده الحديث الّذي
رواه الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال «لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «ليس من ليلة الا و البحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن اللَّه عز و جل أن يتفصح عليهم فيكفه اللَّه عز و جل»
و رواه إسحاق بن راهويه عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال «خرجت ليلة لمحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلى ان البحر يشرف يحاذي برءوس الجبال فعل ذلك مرارا و انا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «ما من ليلة الا و البحر يشرف ثلاث مرات يستأذن اللَّه أن يتفصح عليهم فيكفه اللَّه عز و جل
في اسناده رجل مبهم [١] و اللَّه أعلم و هذا من نعمه تعالى على عباده ان كف شر البحر عن أن يطغى عليهم و سخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها الى الأقاليم النائية بالتجارات و غيرها و هداهم فيه بما خلقه في السماء و الأرض من النجوم و الجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم و بما خلق لهم فيه من اللآلئ و الجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد الا فيه و بما خلق فيه من الدواب الغريبة و أحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ و
قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
و في الحديث الآخر «أحلت لنا ميتتان و دمان السمك و الجراد و الكبد و الطحال» رواه أحمد و ابن ماجة
و في اسناده نظر*
[١] قوله مبهم و في نسخة متهم