البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - ذكر هلاك فرعون و جنوده
فَلَمَّا آسَفُونا أي أغضبونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي بالغرق و الإهانة و سلب العز و التبدل بالذل و بالعذاب بعد النعمة و الهوان بعد الرفاهيّة و النار بعد طيب العيش عياذا باللَّه العظيم و سلطانه القديم من ذلك فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أي لمن اتبعهم في الصفات و مثلا أي لمن اتعظ بهم و خاف من وبيل مصرعهم ممن بلغه جلية خبرهم و ما كان من أمرهم كما قال اللَّه تعالى. فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَ ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَ قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَ قالَ فِرْعَوْنُ ... يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً ... لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ. وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَ أَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق و ادعى ملكهم الباطل و وافقوه عليه و أطاعوه فيه اشتد غضب الرب القدير العزيز الّذي لا يغالب و لا يمانع عليهم فانتقم منهم أشد الانتقام و أغرقه هو و جنوده في صبيحة واحدة فلم يفلت منهم أحد و لم يبق منهم ديار بل كل قد غرق فدخل النار و أتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين.
و يوم القيمة بئس الرفد المرفود و يوم القيمة هم من المقبوحين.
ذكر هلاك فرعون و جنوده
لما تمادى قبط مصر على كفرهم و عتوهم و عنادهم متابعة لملكهم فرعون و مخالفة لنبي اللَّه و رسوله و كليمه موسى بن عمران (عليه السلام) و أقام اللَّه على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة و أراهم من خوارق العادات ما بهر الابصار و حير العقول و هم مع ذلك لا يرعون و لا ينتهون و لا ينزعون و لا يرجعون و لم يؤمن منهم إلا القليل. قيل ثلاثة و هم امرأة فرعون و لا علم لأهل الكتاب بخبرها و مؤمن آل فرعون الّذي تقدم حكاية موعظته و مشورته و حجته عليهم و الرجل الناصح الّذي جاء يسعى من أقصى المدينة فقال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبى حاتم عنه و مراده غير السحرة فإنهم كانوا من القبط* و قيل بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون و السحرة كلهم و جميع شعب بنى إسرائيل. و يدل على هذا قوله تعالى فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ فالضمير في قوله إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عائد على فرعون لان السياق يدل عليه. و قيل على موسى لقربه و الأول أظهر كما هو مقرر في التفسير و إيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون و سطوته