البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - فصل
فتابع اللَّه عليه بالآيات فآخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات فأرسل الطوفان و هو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد. لا يقدرون على أن يخرجوا و لا أن يعلموا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلما لم يفوا له بشيء فأرسل اللَّه عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم و مساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل اللَّه عليهم القمل فذكر لي أن موسى (عليه السلام) أمر أن يمشى الى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى الى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت و الاطعمة و منعهم النوم و القرار فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له فدعا ربه فكشف عنهم فلما لم يفوا له بشيء مما قالوا أرسل اللَّه عليهم الضفادع فملأت البيوت و الاطعمة و الآنية فلم يكشف أحد ثوبا و لا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلب عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا بشيء مما قالوا فأرسل اللَّه عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر و لا نهر يغترفون من إناء إلا عاد دما عبيطا و قال زيد بن أسلم المراد بالدم الرعاف رواه ابن أبى حاتم. قال اللَّه تعالى وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ يخبر تعالى عن كفرهم و عتوهم و استمرارهم على الضلال و الجهل و الاستكبار عن اتباع آيات اللَّه و تصديق رسوله مع ما أيد به من الآيات العظيمة الباهرة و الحجج البليغة القاهرة التي أراهم اللَّه إياها عيانا و جعلها عليهم دليلا و برهانا* و كلما شاهدوا آية و عاينوها و جهدهم و أضنكهم حلفوا و عاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به و ليرسلن معه من هو من حزبه فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا الى شر مما كانوا عليه و أعرضوا عما جاءهم به من الحق و لم يلتفتوا اليه فيرسل اللَّه عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها و أقوى فيقولون فيكذبون. و يعدون و لا يفون لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك و لنرسلن معك بنى إسرائيل فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل. ثم يعودون الى جهلهم العريض الطويل. هذا و العظيم الحليم القدير ينظرهم و لا يعجل عليهم و يؤخرهم و يتقدم بالوعيد اليهم ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم و الإنذار اليهم أخذ عزيز مقتدر فجعلهم عبرة و نكالا و سلفا لمن أشبههم من الكافرين و مثلا لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين كما قال تبارك و تعالى و هو أصدق القائلين في سورة حم و الكتاب المبين وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ. فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا