البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
أعلموه أن رسول اللَّه بالباب فجعلوا يسخرون منه و يستهزءون به.
و قد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل. و قال محمد بن إسحاق أذن لهما بعد سنتين لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما فاللَّه أعلم* و يقال إن موسى تقدم الى الباب فطرقه بعصاه فانزعج فرعون و أمر بإحضارهما فوقفا بين يديه فدعواه الى اللَّه عز و جل كما أمرهما.
و عند أهل الكتاب أن اللَّه قال لموسى (عليه السلام) إن هارون اللاوى يعنى من نسل لاوى بن يعقوب سيخرج و يتلقاك و أمره أن يأخذ معه مشايخ بنى إسرائيل الى عند فرعون و أمره أن يظهر ما أتاه من الآيات* و قال له سأقسى قلبه فلا يرسل الشعب و أكثر آياتي و أعاجيبى بأرض مصر* و أوحى اللَّه الى هارون أن يخرج الى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه* فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بنى إسرائيل و ذهبا الى فرعون فلما بلغاه رسالة اللَّه قال من هو اللَّه لا أعرفه و لا أرسل بنى إسرائيل. و قال اللَّه مخبرا عن فرعون قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى. مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى يقول تعالى مخبرا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلا فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي هو الّذي خلق الخلق و قدر لهم أعمالا و أرزاقا و آجالا* و كتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ ثم هدى كل مخلوق الى ما قدره له فطابق عمله فيهم على الوجه الّذي قدره و علمه لكمال علمه و قدرته و قدره و هذه الآية كقوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى أي قدر قدرا و هدى الخلائق اليه قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يقول فرعون لموسى فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره و هو بهذه المثابة من انه لا يستحق العبادة سواه فلم عبد الأولون غيره و أشركوا به من الكواكب و الأنداد ما قد علمت فهلا اهتدى الى ما ذكرته القرون الأولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى أي هم و ان عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك و لا يدل على خلاف ما أقول لأنهم جهلة مثلك كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر من صغير و كبير و سيجزيهم على ذلك ربى عز و جل و لا يظلم أحدا مثقال ذرة لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شيء و لا ينسى ربى شيئا. ثم ذكر له عظمة الرب و قدرته على خلق الأشياء و جعله الأرض مهادا و السماء سقفا محفوظا و تسخيره السحاب و الأمطار لرزق العباد و دوابهم و أنعامهم كما قال كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول