البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
و قال آخر
لقد لامنى عند القبور على البكا* * * رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أ تبكي كل قبر رأيته* * * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى* * * فدعني فهذا كله قبر مالك
و قوله (وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) أي من كثرة البكاء (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مكظم من كثرة حزنه و أسفه و شوقه الى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد و ألم الفراق (قالُوا) له على وجه الرحمة له و الرأفة به و الحرص عليه (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك و تضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) يقول لبنيه لست أشكو إليكم و لا الى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو الى اللَّه عز و جل و أعلم أن اللَّه سيجعل لي مما أنا فيه فرجا و مخرجا و أعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع و لا بد أن أسجد له أنا و أنتم حسب ما رأى و لهذا قال (وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف و أخيه و أن يبحثوا عن أمرهما. (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح اللَّه و فرجه و ما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ. قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ. قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه و قدومهم عليه و رغبتهم فيما لديه من الميرة و الصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين اليهم (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ) أي من الجدب و ضيق الحال و كثرة العيال (وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ) أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنا. قيل كانت دراهم رديئة. و قيل قليلة و قيل حب الصنوبر و حب البطم و نحو ذلك. و عن ابن عباس كانت خلق الغرائر و الحبال و نحو ذلك (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) قيل بقبولها قاله السدي. و قيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج. و قال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نزع بهذه الآية رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال و ما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف اليهم و عطف عليهم قائلا لهم عن أمر ربه و ربهم.