البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١١ - قصة قارون مع موسى (عليه السلام)
بجحفله و بغاله و ملابسه على مجلس موسى (عليه السلام) و هو يذكر قومه بأيام اللَّه فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون اليه فدعا موسى (عليه السلام) فقال له ما حملك على هذا فقال يا موسى أما لئن كنت فضلت على بالنّبوّة فلقد فضلت عليك بالمال و لئن شئت لتخرجن فلتدعون على و لأدعون عليك فخرج و خرج قارون في قومه فقال له موسى تدعو أو أدعو قال أدعو أنا فدعى قارون فلم يجب في موسى فقال موسى أدعو قال نعم فقال موسى اللَّهمّ مر الأرض فلتطغى اليوم فأوحى اللَّه اليه إني قد فعلت فقال موسى يا أرض خذيهم فاخذتهم الى أقدامهم ثم قال خذيهم فاخذتهم الى ركبهم ثم الى مناكبهم ثم قال أقبلي بكنوزهم و أموالهم فأقبلت بها حتى نظروا اليها ثم أشار موسى بيده فقال اذهبوا بنى لاوى فاستوت بهم الأرض. و قد روى عن قتادة أنه قال يخسف بهم كل يوم قامة الى يوم القيامة. و عن ابن عباس أنه قال خسف بهم الى الأرض السابعة. و قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة اضربنا عنها صفحا و تركناها قصدا. و قوله تعالى فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ لم يكن له ناصر من نفسه و لا من غيره كما قال (فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ) و لما حل به ما حل من الخسف و ذهاب الأموال و خراب الدار و إهلاك النفس و الأهل و العقار ندم من كان تمنى مثل ما أوتى و شكروا اللَّه تعالى الّذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون و لهذا قالوا (لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) و قد تكلمنا على لفظ و يك في التفسير و قد قال قتادة ويكأن بمعنى أ لم تر ان و هذا قول حسن من حيث المعنى و اللَّه أعلم. ثم أخبر تعالى (أن الدار الاخرة) و هي دار القرار و هي الدار التي يغبط من أعطيها و يعزى من حرمها إنما هي معدة للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا. فالعلو هو التكبر و الفخر و الأشر و البطر و الفساد هو عمل المعاصي اللازمة و المتعدية من أخذ أموال الناس و إفساد معايشهم و الإساءة اليهم و عدم النصح لهم ثم قال تعالى وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ و قصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر لقوله فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فان الدار ظاهرة في البنيان و قد تكون بعد ذلك في التيه و تكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة.
يا دار عبلة بالجواء تكلمي* * * و عمى صباحا دار عبلة و أسلمي
و اللَّه أعلم. و قد ذكر اللَّه تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن. قال اللَّه وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ قارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ و قال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد و ثمود. و قارون و فرعون و هامان و لقد جاءتهم رسلنا بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فالذي خسف به