البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - * قصة نوح (عليه السلام)
دب اليهم إبليس فقال انما كانوا يعبدونهم و بهم يسقون المطر فعبدوهم* و روى ابن أبى حاتم عن عروة ابن الزبير أنه قال ود و يغوث و يعوق و سواع و نسر أولاد آدم و كان ود أكبرهم و أبرهم به* و
قال ابن أبى حاتم حدثنا احمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبى المطهر قال ذكروا عند أبى جعفر هو الباقر و هو قائم يصلى بزيد بن المهلب قال فلما انفتل من صلاته قال ذكرتم يزيد بن المهلب أما انه قتل في أول أرض عبد فيها غير اللَّه.
قال ذكر ودا رجلا صالحا و كان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل و جزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا نعم. فصور لهم مثله. قال و وضعوه في ناديهم و جعلو يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال هل لكم أن اجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه. قالوا نعم قال فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به. قال و أدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال و تناسلوا و درس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون اللَّه أولاد أولادهم فكان أول ما عبد غير اللَّه ودا الصنم الّذي سموه ودّا* و مقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس* و قد ذكر أنه لما تطاولت العهود و الأزمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون اللَّه عز و جل* و لهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير و للَّه الحمد و المنة* و قد ثبت
في الصحيحين عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه لما ذكرت عنده أم سلمة و أم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرتا من حسنها و تصاوير فيها قال (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند اللَّه عز و جل)
و المقصود أن الفساد لما انتشر في الأرض و عم البلاء بعباد الأصنام فيها بعث اللَّه عبده و رسوله نوحا (عليه السلام) يدعو الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و ينهى عن عبادة ما سواه فكان أول رسول بعثه اللَّه الى أهل الأرض كما ثبت
في الصحيحين من حديث أبى حيان عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حديث الشفاعة قال فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك اللَّه بيده و نفخ فيك من روحه و أمر الملائكة فسجدوا لك و أسكنك الجنة ألا تشفع لنا الى ربك.
ألا ترى ما نحن فيه و ما بلغنا فيقول ربى قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله و لا يغضب بعده مثله و نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا الى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل الى أهل الأرض و سماك اللَّه عبدا شكورا ألا ترى الى ما نحن فيه ألا ترى الى ما بلغنا ألا تشفع لنا الى ربك عز و جل فيقول ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله و لا يغضب بعده