البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - قصة قارون مع موسى (عليه السلام)
قصة قارون مع موسى (عليه السلام)
قال اللَّه تعالى إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ. وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قال الأعمش عن المنهال بن عمرو ابن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان قارون بن عم موسى و كذا قال إبراهيم النخعي و عبد اللَّه ابن الحرث بن نوفل و سماك بن حرب و قتادة و مالك ابن دينار و ابن جريج و زاد فقال هو قارون بن يصهر بن قاهث و موسى بن عمران بن قاهث. قال ابن جريج و هذا قول أكثر أهل العلم أنه كان ابن عم موسى. ورد قول ابن إسحاق إنه كان عم موسى قال قتادة و كان يسمى النور لحسن صوته بالتوراة و لكن عدو اللَّه نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي لكثرة ماله. و قال شهر بن حوشب زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه. و قد ذكر اللَّه تعالى كثرة كنوزه حتى أن مفاتيحه كان يثقل حملها على القيام من الرجال الشداد و قد قيل إنها كانت من الجلود و إنها كانت تحمل على ستين بغلا فاللَّه أعلم و قد وعظه النصحاء من قومه قائلين لا تفرح أي لا تبطر بما أعطيت و تفخر على غيرك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ يقولون لتكن همتك مسروفة لتحصيل ثواب اللَّه في الدار الاخرة فإنه خير و أبقى و مع هذا لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي و تناول منها بمالك ما أحل اللَّه لك فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي و أحسن الى خلق اللَّه كما أحسن اللَّه خالقهم و بارئهم إليك وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ أي و لا تسئ اليهم و لا تفسد فيهم فتقابلهم ضد ما أمرت فيهم فيعاقبك و يسلبك ما وهبك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ فما كان جواب قومه. لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي يعنى أنا لا أحتاج الى استعمال ما ذكرتم و لا الى ما اليه أشرتم فان اللَّه إنما أعطانى هذا لعلمه أنى أستحقه و أنى أهل له و لو لا أنى حبيب اليه و حظي عنده لما