البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - ذكر بناء قبة الزمان
يصلون فيها و اليها و يتقربون عندها و أن موسى (عليه السلام) كان إذا دخلها يقفون عندها و ينزل عمود الغمام على بابها فيخرون عند ذلك سجدا للَّه عز و جل و يكلم اللَّه موسى (عليه السلام) من ذلك العمود الغمام الّذي هو نور و يخاطبه و يناجيه و يأمره و ينهاه و هو واقف عند التابوت صامد الى ما بين الكروبين فإذا فصل الخطاب يخبر بنى إسرائيل بما أوحاه اللَّه عز و جل اليه من الأوامر و النواهي و إذا تحاكموا اليه في شيء ليس عنده من اللَّه فيه شيء يجيء الى قبة الزمان و يقف عند التابوت و يصمد لما بين ذينك الكروبين فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة و قد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم أعنى استعمال الذهب و الحرير المصبغ و اللآلئ في معبدهم و عند مصلاهم فاما في شريعتنا فلا بل قد نهينا عن زخرفة المساجد و تزيينها لئلا تشغل المصلين كما قال عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه لما وسع في مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للذي وكله على عمارته ابن للناس ما يكنهم و إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس* و قال ابن عباس لنزخرفنها كما زخرفت اليهود و النصارى كنائسهم و هذا من باب التشريف و التكريم و التنزيه فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم إذ جمع اللَّه همهم في صلاتهم على التوجه اليه و الإقبال عليه و صان أبصارهم و خواطرهم عن الاشتغال و التفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة فلله الحمد و المنة و قد كانت قبة الزمان هذه مع بنى إسرائيل في التيه يصلون اليها و هي قبلتهم و كعبتهم و إمامهم كليم اللَّه موسى (عليه السلام) و مقدم القربان أخوه هارون (عليه السلام)* فلما مات هارون ثم موسى (عليهما السلام) استمرت بنو هارون في الّذي كان يليه أبوهم من أمر القربان و هو فيهم الى الآن و قام بأعباء النبوة بعد موسى و تدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون (عليه السلام) و هو الّذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه و المقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون اليها فلما بادت صلوا إلى محلتها و هي الصخرة فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد صلى اليها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل الهجرة و كان يجعل الكعبة بين يديه* فلما هاجر أمر بالصلاة الى بيت المقدس فصلى اليها ستة عشر* و قيل سبعة عشر شهرا* ثم حولت القبلة الى الكعبة و هي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر و قيل الظهر كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها الى قوله قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام. الآيات