البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٨ - قصة الذبيح
ما ذا تَرى فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم ف قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* و هذا الجواب في غاية السداد و الطاعة للوالد و لرب العباد قال اللَّه تعالى فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ قيل أسلما أي استسلما لأمر اللَّه و عزما على ذلك. و قيل هذا من المقدم و المؤخر و المعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه. قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس و مجاهد و سعيد بن جبير و قتادة و الضحاك. و قيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح و بقي طرف جبينه لاصقا بالأرض و أسلما أي سمى إبراهيم و كبر و تشهد الولد للموت* قال السدي و غيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا و يقال جعل بينها و بين حلقه صفيحة من نحاس و اللَّه أعلم. فعند ذلك نودي من اللَّه عز و جل أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أي قد حصل المقصود من اختبارك و طاعتك و مبادرتك الى أمر ربك و بذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران و كما مالك مبذول للضيفان و لهذا قال تعالى إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ أي الاختبار الظاهر البين و قوله وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ أي و جعلنا فداء ذبح ولده ما يسره اللَّه تعالى له من العوض عنه و المشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير. قال الثوري عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا [١] و قال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير و كان عليه عهن أحمر.
و عن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه و هو الكبش الّذي قربه ابن آدم فتقبل منه. رواه ابن أبى حاتم* قال مجاهد فذبحه بمنى و قال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام. فأما ما روى عن ابن عباس أنه كان وعلا و عن الحسن أنه كان تيسا من الأروى. و اسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما* ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات* و في القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم و الاختبار الباهر و أنه فدى بذبح عظيم و قد ورد في الحديث أنه كان كبشا* قال الامام أحمد حدثنا سفيان حدثنا منصور عن خاله نافع عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتنى امرأة من بنى سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت أرسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى عثمان بن طلحة و قال مرة إنها سألت عثمان لم دعاك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلى قال سفيان لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا. و هذا روى عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس. و هذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل لأنه كان هو المقيم بمكة. و إسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره و اللَّه أعلم.
و هذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل لانه ذكر قصة الذبيح ثم قال
[١] و في نسخة سبعين خريفا*