البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم بن الكريم عليهما الصلاة و التسليم
يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته و إمائهن يفتش فلم يجد شيئا و كانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل و هي تحتها فلم تقم و اعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهنّ فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته و لا يتزوج عليهنّ و لا يجاوز هذه الرابية الى بلاد الآخر لا لابان و لا يعقوب و عملا طعاما و أكل القوم معهم و تودع كل منهما من الآخر و تفارقوا راجعين الى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم و بعث يعقوب البرد الى أخيه العيصو يترفق له و يتواضع له فرجعت البرد و أخبرت يعقوب بان العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك و دعا اللَّه عز و جل و صلّى له و تضرع اليه و تمسكن لديه و ناشده عهده و وعده الّذي وعده به و سأله أن يكف عنه شر أخيه العيص و أعد لأخيه هدية عظيمة و هي مائتا شاة و عشرون تيسا و مائتا نعجة و عشرون كبشا و ثلاثون لقحة و أربعون بقرة و عشرة من الثيران و عشرون أتانا و عشرة من الحمر و أمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الأصناف وحده و ليكن بين كل قطيع و قطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للأول لمن أنت و لمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص و ليقل الّذي بعده كذلك و كذا الّذي بعده و يقول كل منهم و هو جائى بعدنا و تأخر يعقوب بزوجتيه و أمتيه و بنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين و جعل يسير فيهما ليلا و يكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدى له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه و يغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل فقال له يعقوب و من أنت و ما اسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة و أصبح يعقوب و هو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء و رفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات و كانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان و كان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له و كما سجد أخوه يوسف و أبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم اليه و احتضنه و قبله و بكى و رفع العيص عينيه و نظر الى النساء و الصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب اللَّه لعبدك فدنت الأمتان و بنوهما فسجدوا له و دنت ليا و بنوها فسجدوا له و دنت راحيل و ابنها يوسف فخرّا سجدا له و عرض عليه أن يقبل هديته و ألح عليه فقبلها و رجع العيص فتقدم أمامه و لحقه يعقوب بأهله و ما معه من الانعام و المواشي و العبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا و لدوابّه ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية و اشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه و ابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله إسرائيل و أمره اللَّه ببنائه ليستعلن له فيه* و هو بيت المقدس اليوم الّذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما