البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٩ - قصة الذبيح
بعده وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ و من جعله حالا فقد تكلف و مستنده أنه إسحاق إنما هو إسرائيليات و كتابهم فيه تحريف و لا سيما هاهنا قطعا لا محيد عنه فان عندهم أن اللَّه أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده و في نسخة من المعربة بكرة إسحاق فلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة لانه ليس هو الوحيد و لا البكر. ذاك إسماعيل. و انما حملهم على هذا حسد العرب فان إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إسحاق والد يعقوب و هو إسرائيل الذين ينتسبون اليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف اليهم فحرفوا كلام اللَّه و زادوا فيه و هم قوم بهت و لم يقروا بان الفضل بيد اللَّه يؤتيه من يشاء. و قد قال بانه إسحاق طائفة كثيرة من السلف و غيرهم. و انما أخذوه و اللَّه أعلم من كعب الأحبار أو صحف أهل الكتاب و ليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز و لا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل. و ما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل و ليس بإسحاق من قوله فبشرناها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب قال فكيف تقع البشارة بإسحاق و أنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق و هو صغير قبل أن يولد له هذا لا يكون لانه يناقض البشارة المتقدمة و اللَّه أعلم* و قد اعترض السهيليّ على هذا الاستدلال بما أصله أن قوله فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ جملة تامة و قوله وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال لانه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد و من بعده عمرو حتى يقال و من بعده بعمر. و قال فقوله وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ منصوب بفعل مضمر تقديره و وهبنا لإسحاق يعقوب و في هذا الّذي قاله نظر. و رجح أنه إسحاق و احتج بقوله فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال و إسماعيل لم يكن عنده انما كان في حال صغره هو و أمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي* و هذا أيضا فيه نظر لأنه قد روى أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكبا البراق الى مكة يطلع على ولده و ابنه ثم يرجع و اللَّه أعلم* فمن حكى القول عنه بأنه إسحاق كعب الأحبار* و روى عن عمر و العباس و على و ابن مسعود و مسروق و عكرمة و سعيد بن جبير و مجاهد و عطاء و الشعبي و مقاتل و عبيد بن عمر و أبى ميسرة و زيد بن أسلم و عبد اللَّه بن شقيق و الزهري و القاسم و ابن أبى بردة و مكحول و عثمان بن حاضر و السدي و الحسن و قتادة و أبى الهذيل و ابن سابط و هو اختيار ابن جرير و هذا عجب منه و هو إحدى الروايتين عن ابن عباس و لكن الصحيح عنه و عن أكثر هؤلاء أنه إسماعيل (عليه السلام). قال مجاهد و سعيد و الشعبي و يوسف بن مهران و عطاء و غير واحد عن ابن عباس هو إسماعيل (عليه السلام) و قال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى إسماعيل و زعمت اليهود أنه إسحاق و كذبت اليهود* و قال عبد اللَّه بن الإمام احمد