البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - * فصل
سبق في قدر اللَّه لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر و يكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره* و من الملائكة المسمين في الحديث منكر و نكير (عليهما السلام). و قد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر. و قد أوردناها عند قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ و هما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه و دينه و نبيه و يمتحنان البر و الفاجر و هما أزرقان افرقان لهما أنياب و أشكال مزعجة و أصوات مفزعة أجارنا اللَّه من عذاب القبر و ثبتنا بالقول الثابت آمين* و
قال البخاري حدثنا عبد اللَّه بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حدثته أنها قالت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد. قال لقد لقيت من قومك و كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت و أنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا و أنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن اللَّه قد سمع قول قومك لك و ما ردوا به عليك و قد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بل أرجو أن يخرج اللَّه من أصلابهم من يعبد اللَّه وحده و لا يشرك به شيئا* و رواه مسلم من حديث ابن وهب به
* فصل
ثم الملائكة (عليهم السلام) بالنسبة الى ما هيأهم اللَّه له أقسام* فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم و منهم الكروبيون الذين هم حول العرش و هم أشرف الملائكة مع حملة العرش. و هم الملائكة المقربون كما قال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ و منهم جبريل و ميكائيل (عليهما السلام). و قد ذكر اللَّه عنهم أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب كما قال تعالى وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ. وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ و لما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة فثبت
في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال «إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين و لك بمثل
* و منهم سكان السموات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا و نهارا صباحا و مساء كما قال «يُسَبِّحُونَ