البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٦ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
الذين كان رأيهم فيه مثل رأى هارون فقالوا لجماعتهم يا موسى سل لنا أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألوا الخير خيار بنى إسرائيل و من لم يشرك في الحق فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي اللَّه (عليه السلام) من قومه و من وفده حين فعل بهم ما فعل فقال لو شئت لأهلكتهم من قبل و إياي أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا و فيهم من كان اللَّه اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل و إيمان به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ فقال يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتنى حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم فقال له إن توبتهم أن يقتل كل رجل من لقي من والد و ولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن. و تاب أولئك الذين كان خفي على موسى و هارون و اطلع اللَّه من ذنوبهم فاعترفوا بها و فعلوا ما أمروا و غفر اللَّه للقاتل و المقتول ثم سار بهم موسى (عليه السلام) متوجها نحو الأرض المقدسة و أخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم و أبوا أن يقروا بها و نتق اللَّه عليهم الجبل كأنه ظلة و دنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم و أخذوا الكتاب بايمانهم و هم مصغون ينظرون الى الجبل و الكتاب بأيديهم و هم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدو مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر و ذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم و لا ندخلها ما داموا فيها فان يخرجوا منها فانا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قراه قال نعم من الجبارين آمنا بموسى و خرجنا اليه فقالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم و عددهم فإنهم لا قلوب لهم و لا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون و يقول أناس إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون من بنى إسرائيل قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فاغضبوا موسى فدعا عليهم و سماهم فاسقين و لم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية و إساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب اللَّه لهم و سماهم كما سماهم فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه و أنزل عليهم المن و السلوى و جعل لهم ثيابا لا تبلى و لا تتسخ و جعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا و أمر موسى فضربه بعصاه فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً في كل ناحية ثلاثة أعين و أعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من محله إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الّذي كان فيه بالأمس* رفع ابن عباس هذا الحديث الى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الّذي أفشى على موسى أمر القتيل الّذي