البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٥ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
و قال أطيعوا هارون فان اللَّه قد استخلفه عليكم فانى ذاهب الى ربى و أجلهم ثلاثين يوما أن يرجع اليهم فيها فلما أتى ربه عز و جل و أراد أن يكلمه في ثلاثين يوما و قد صامهن ليلهن و نهارهن و كره أن يكلم ربه و ريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت و هو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك الا و فمي طيب الريح. قال أو ما علمت يا موسى ان ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى ما أمره به ربه فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع اليهم في الأجل ساءهم ذلك و كان هارون قد خطبهم فقال إنكم خرجتم من مصر و لقوم فرعون عندكم عواري و ودائع و لكم فيها مثل ذلك و انا أرى ان تحتسبوا ما لكم عندهم و لا أحل لكم وديعة استودعتموها و لا عارية و لسنا برادين اليهم شيئا من ذلك و لا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا و أمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال لا يكون لنا و لا لهم* و كان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل و لم يكن من بنى إسرائيل فاحتمل مع موسى و بنى إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون يا سامرى الا تلقى ما في يديك و هو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال هذه قبضة من أثر الرسول الّذي جاوز بكم البحر و لا ألقيها لشيء الا أن تدعو اللَّه إذا ألقيتها أن يكون ما أريد فألقاها و دعا له هارون فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار قال ابن عباس لا و اللَّه ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره و تخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة يا سامرى ما هذا و أنت أعلم به قال هذا ربكم و لكن موسى أضل الطريق و قالت فرقة لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فان كان ربنا لم نكن ضيعناه و عجزنا فيه حتى رأيناه و ان لم يكن ربنا فانا نتبع قول موسى و قالت فرقة هذا من عمل الشيطان و ليس بربنا و لا نؤمن به و لا نصدق و اشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل و أعلنوا التكذيب به فقال لهم هارون (عليه السلام) يا قوم إنما فتنتم به و ان ربكم الرحمن ليس هذا قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم اخلفنا. هذه أربعون يوما قد مضت قال سفهاؤهم اخطأ ربه فهو يطلبه و يبتغيه فلما كلم اللَّه موسى و قال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده فرجع الى قومه غضبان أسفا فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ و ألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر أخاه بعذره و استغفر له فانصرف الى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت قال قبضت قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ و فطنت لها و عميت عليكم فَنَبَذْتُها وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً و لو كان إلها لم يخلص الى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة و اغتبط