البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
صنع موسى فامر إحداهما أن تدعوه فاتت موسى فدعته فلما كلمه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون و لا قومه علينا من سلطان و لسنا في مملكته قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك ما قوته و ما أمانته فقالت أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه. و أما الأمانة فإنه نظر الى حين أقبلت اليه و شخصت له فلما علم أنى امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك. ثم قال لي امشي خلفي و انعتى لي الطريق فلم يفعل هذا إلا و هو أمين فسرى عن أبيها و صدقها و ظن به الّذي قالت فقال له هل لك أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبي اللَّه موسى ثمان سنين واجبة و كانت السنتان عدة منه فقضى اللَّه عنه عدته فأتمها عشرا. قال سعيد هو ابن جبير فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال هل تدري أي الأجلين قضى موسى قلت لا و أنا يومئذ لا أدرى فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال أما علمت أن ثمانية كانت على نبي اللَّه واجبة لم يكن نبي اللَّه لينقص منها شيئا و تعلم أن اللَّه كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال الّذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك قلت أجل و أولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار و العصي و يده ما قص اللَّه عليك في القرآن فشكا الى اللَّه تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل و عقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام و سأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا و يتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأتاه اللَّه عز و جل و حل عقدة من لسانه و أوحى اللَّه الى هارون فأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون فانطلقا جميعا الى فرعون فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما. ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إنا رسولا ربك فقال فمن ربكما فأخبره بالذي قص اللَّه عليك في القرآن قال فما تريدان و ذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال أريد ان تؤمن باللَّه و ترسل معى بنى إسرائيل فأبى عليه و قال ائت بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ عظيمة فاغرة فاها مسرعة الى فرعون فلما رأى فرعون قاصدة اليه خافها و اقتحم عن سريره و أستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعنى من غير برص. ثم ردها فعادت الى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى يعنى ملكهم الّذي هم فيه و العيش و أبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب و قالوا له اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما فأرسل الى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا بم يعمل السحر قالوا يعمل بالحيات قالوا فلا و اللَّه ما أحد من الأرض يعمل السحر بالحيات و الحبال و العصي الّذي نعمل و ما أجرنا إن نحن غلبنا قال لهم أنتم أقاربى و خاصتي و أنا صانع