البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٩ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
فناداه ربه أ فرارا منى يا آدم قال بل حياء منك و اللَّه يا رب مما جئت به* ثم رواه من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن يحيى بن ضمرة عن أبى بن كعب عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه. و هذا أصح فان الحسن لم يدرك أبيا* ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الاطرابلسى عن محمد بن عبد الوهاب أبى قرصافة العسقلاني عن آدم بن أبى اياس عن شيبان عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه
* وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ* قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ و هذا اعتراف و رجوع الى الانابة و تذلل و خضوع و استكانة و افتقار اليه تعالى في الساعة الراهنة و هذا السر ما سرى في أحد من ذريته الا كانت عاقبته الى خير في دنياه و أخراه قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ و هذا خطاب لآدم و حواء و إبليس. قيل و الحية معهم أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين* و قد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت
في الحديث عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه أمر بقتل الحيات و قال ما سالمناهن منذ حاربناهن
و قوله في سورة طه قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ هو أمر لآدم و إبليس و استتبع آدم حواء و إبليس الحية* و قيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ و الصحيح ان هذا لما كان الحاكم لا يحكم الا بين اثنين مدع و مدعى عليه قال و كنا لحكمهم شاهدين و أما تكريره الإهباط في سورة البقرة في قوله وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فقال بعض المفسرين المراد بالاهباط الأول الهبوط من الجنة الى السماء الدنيا و بالثاني من السماء الدنيا الى الأرض. و هذا ضعيف لقوله في الأول قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ فدل على انهم أهبطوا الى الأرض بالاهباط الأول و اللَّه أعلم* و الصحيح أنه كرره لفظا و ان كان واحدا و ناط مع كل مرة حكما فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم و بالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الّذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد و من خالفه فهو الشقي و هذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم.
و روى الحافظ بن عساكر عن مجاهد قال أمر اللَّه ملكين أن يخرجا آدم و حواء من جواره فنزع جبريل التاج عن رأسه و حل ميكائيل الإكليل عن جبينه و تعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول العفو العفو فقال اللَّه فرارا منى قال بل حياء منك يا سيدي و قال الأوزاعي