البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
عن وجه الأرض أمر أن يهبط اليها هو و من معه مباركا عليه و عليهم. و قال اللَّه تعالى اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ الآية و قال تعالى وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الآية. و في الأحاديث و اللغة من هذا كثير* قالوا و لا مانع بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض ذات أشجار و ثمار و ظلال و نعيم و نضرة و سرور كما قال تعالى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى أي لا يذل باطنك بالجوع و لا ظاهرك بالعرى وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى أي لا يمس باطنك حر الظمأ و لا ظاهرك حر الشمس. و لهذا قرن بين هذا و هذا و بين هذا و هذا لما بينهما من الملاءمة. فلما كان منه ما كان من اكله من الشجرة التي نهى عنها اهبط الى ارض الشقاء و التعب و النصب و الكدر و السعي و النكد و الابتلاء و الاختبار و الامتحان و اختلاف السكان دينا و أخلاقا و أعمالا و قصودا و إرادات و أقوالا و افعالا كما قال تعالى وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ و لا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً و معلوم انهم كانوا فيها لم يكونوا في السماء.
قالوا و ليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة و النار اليوم و لا تلازم بينهما فكل من حكى عنه هذا القول من السلف و أكثر الخلف ممن يثبت وجود الجنة و النار اليوم كما دلت عليه الآيات و الأحاديث الصحاح كما سيأتي إيرادها في موضعها و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب* و قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها اى عن الجنة فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أي من النعيم و النضرة و السرور الى دار التعب و الكد و النكد و ذلك بما وسوس لهما و زينه في صدورهما كما قال تعالى فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما. وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يقول ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أي و لو أكلتما منها لصرتما كذلك وَ قاسَمَهُما أي حلف لهما على ذلك إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ كما قال في الآية الأخرى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى اى هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم و استمررت في ملك لا يبيد و لا ينقضي و هذا من التغرير و التزوير و الاخبار بخلاف الواقع* و المقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا اكلت منها خلدت و قد تكون هي الشجرة التي
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبى الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ان في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها شجرة الخلد)* و كذا رواه أيضا عن غندر (و حجاج عن شعبة و رواه أبو داود الطيالسي في مسندة عن شعبة أيضا به
*