البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي قال بعضهم كما في قوله وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً وَ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً فالذين زعموا هذا بعض الناس لا كلهم و قد
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبى سنان الديليّ عن أبى واقد الليثي قال خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل حنين فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول اللَّه اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط و كان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة و يعكفون حولها فقال النبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اللَّه أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة انكم تركبون سنن الذين من قبلكم. و رواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. و رواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن الزهري به.
ثم قال حسن صحيح. و قد
روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق و معمر و عقيل عن الزهري عن سنان بن أبى سنان عن أبى واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى خيبر قال و كان للكفار سدرة يعكفون عندها و يعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال فقلنا يا رسول اللَّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال قلتم و الّذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
و المقصود أن موسى (عليه السلام) لما انفصل من بلاد مصر و واجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوما من الجبارين من الحيثانيين و الفزاريين و الكنعانيين و غيرهم فأمرهم موسى (عليه السلام) بالدخول عليهم و مقاتلتهم و اجلائهم إياهم عن بيت المقدس فان اللَّه كتبه لهم و وعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل و موسى الكليم الجليل فأبوا و نكلوا عن الجهاد فسلط اللَّه عليهم الخوف و ألقاهم في التيه يسيرون و يحلون و يرتحلون و يذهبون و يجيئون في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون كما قال اللَّه تعالى وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ. يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسى. إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. يذكرهم نبي اللَّه نعمة اللَّه عليهم إحسانه عليهم بالنعم الدينية و الدنيوية و يأمرهم بالجهاد في سبيل اللَّه و مقاتلة أعدائه فقال يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي تنكصوا على أعقابكم و تنكلوا على قتال أعدائكم