البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أي فتخسروا بعد الربح و تنقصوا بعد الكمال قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ أي عتاة كفرة متمردين وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ خافوا من هؤلاء الجبارين و قد عاينوا هلاك فرعون و هو أجبر من هؤلاء و أشد بأسا و أكثر جمعا و أعظم جندا و هذا يدل على أنهم ملومون في هذه المقالة و مذمومون على هذه الحالة من الذلة عن مصاولة الأعداء و مقاومة المردة الأشقياء.
و قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة يدل العقل و النقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالا هائلة ضخاما جدا حتى إنهم ذكروا أن رسل بنى إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين فجعل يأخذهم واحدا واحدا و يلفهم في أكمامه و حجرة سراويله و هم اثنا عشر رجلا فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين فقال ما هؤلاء و لم يعرف أنهم من بنى آدم حتى عرفوه و كل هذه هذيانات و خرفات لا حقيقة لها و أن الملك بعث معهم عنبا كل عنبة تكفى الرجل و شيئا من ثمارهم ليعلموا ضخامة اشكالهم و هذا ليس بصحيح. و ذكروا هاهنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين الى بنى إسرائيل ليهلكهم و كان طوله ثلاثة آلاف ذراع و ثلاثمائة ذراع و ثلاثة و ثلاثين ذراعا و ثلث ذراع هكذا ذكره البغوي و غيره و ليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند
قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (إن اللَّه خلق آدم طوله ستون ذراعا)
ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن قالوا فعمد عوج الى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقا في عنق عوج بن عنق. ثم عمد موسى اليه فوثب في الهواء عشرة أذرع و طوله عشرة أذرع و بيده عصاه و طولها عشرة أذرع فوصل الى كعب قدمه فقتله. يروى هذا عن عوف البكالي و نقله ابن جرير عن ابن عباس و في اسناده اليه نظر* ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات و كل هذه من وضع جهال بنى إسرائيل فان الاخبار الكذبة قد كثرت عندهم و لا تميز لهم بين صحتها و باطلها. ثم لو كان هذا صحيحا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم و قد ذمهم اللَّه على نكولهم و عاقبهم بالتيه على ترك جهادهم و مخالفتهم رسولهم و قد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالأقدام و نهياهم عن الاحجام* و يقال إنهما يوشع بن نون و كالب بن يوقنا قاله ابن عباس و مجاهد و عكرمة و عطية و السدي و الربيع بن انس و غير واحد قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي يخافون اللَّه و قرأ بعضهم يخافون أي يهابون أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أي بالإسلام و الايمان و الطاعة و الشجاعة ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ. وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إذا توكلتم على اللَّه و استعنتم به و لجأتم اليه نصركم على عدوكم و أيدكم عليهم و أظفركم بهم.
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فصمم ملؤهم على النكول عن الجهاد و وقع أمر عظيم و وهن كبير. فيقال إن يوشع و كالب لما سمعا هذا