البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
عز و جل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها الى الأرض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عز و جل أن يبسط يده و يأخذها بذنبها فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده و قد قال اللَّه تعالى في الآية الأخرى (وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ) أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة و أنياب تصك و هي مع ذلك في سرعة حركة الجان و هو ضرب من الحيات* يقال الجان و الجنان و هو لطيف و لكن سريع الاضطراب و الحركة جدا فهذه جمعت الضخامة و السرعة الشديدة فلما عاينها موسى (عليه السلام) (وَلَّى مُدْبِراً) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (وَ لَمْ يُعَقِّبْ) أي و لم يلتفت (فناداه ربه) قائلا له (يا موسى أقبل و لا تخف إنك من الآمنين فلما رجع أمره اللَّه تعالى أن يمسكها. قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى).
فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها* و عند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين فسبحان القدير العظيم رب المشرقين و المغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه. ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص و لا بهق. و لهذا قال اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. و هذا و إن كان خاصما به الا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء و قال في سورة النمل (وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) أي هاتان الآيتان و هما العصا و اليد و هما البرهانان المشار اليهما في قوله (فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) و مع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات و هي المذكورة في آخر سورة سبحان حيث يقول تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً. قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً و هي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه و هذه التسع آيات غير العشر الكلمات فان التسع من كلمات اللَّه القدرية و العشر من كلماته الشرعية و انما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بنى إسرائيل.