البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - فصل
كاذبا في قوله إن للعالم ربا غيري و الثاني في دعواه أن اللَّه أرسله. و الأول أشبه بظاهر حال فرعون فإنه كان ينكر ظاهر إثبات الصانع و الثاني أقرب الى اللفظ حيث قال فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى أي فاسأله هل أرسله أم لا وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً أي في دعواه ذلك. و إنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى (عليه السلام) و ان يحثهم على تكذيبه قال اللَّه تعالى وَ كَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ و قرئ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَ ما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ قال ابن عباس و مجاهد يقول الا في خسار أي باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الّذي رامه فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم الى نيل السماء أبدا أعنى السماء الدنيا فكيف بما بعدها من السموات العلى و ما فوق ذلك من الارتفاع الّذي لا يعلمه إلا اللَّه عز و جل. و ذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح و هو القصر الّذي بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه و ان كان مبنيا من الآجر المشوي بالنار و لهذا قال فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً.
و عند أهل الكتاب أن بنى إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن و كان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شيء مما يحتاجون اليه فيه بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه و تبنه و ماءه و يصلب منهم كل يوم قسط معين إن لم يفعلوه و الا ضربوا و أهينوا غاية الإهانة و أوذوا غاية الأذية. و لهذا قالوا لموسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط و كذلك وقع و هذا من دلائل النبوة* و لنرجع الى نصيحة المؤمن و موعظته و احتجاجه قال اللَّه تعالى وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ يدعوهم رضى اللَّه عنه الى طريق الرشاد و الحق و هي متابعة نبي اللَّه موسى و تصديقه فيما جاء به من ربه ثم زهدهم في الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة و رغبهم في طلب الثواب عند اللَّه الّذي لا يضيع عمل عامل لديه. القدير الّذي ملكوت كل شيء بيديه الّذي يعطى على القليل كثيرا و من عدله لا يجازى على السيئة الا مثلها. و أخبرهم أن الآخرة هي دار القرار التي من وافاها مؤمنا قد عمل الصالحات فلهم الجنات العاليات و الغرف الآمنات و الخيرات الكثيرة الفائقات و الأرزاق الدائمة التي لا تبيد. و الخير الّذي كل ما لهم منه في مزيد.
ثم شرع في إبطال ما هم عليه و تخويفهم مما يصيرون اليه فقال وَ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَ لا فِي الْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ