البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على اعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم و لا يأكلونه مطبوخا و لكن مشويا برأسه و أكارعه و بطنه و لا يبقوا منه شيئا و لا يكثروا له عظما و لا يخرجوا منه شيئا الى خارج بيوتهم و ليكن خبزهم فطيرا سبعة أيام ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم و كان ذلك في فصل الربيع فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة و خفافهم في أرجلهم و عصيهم في أيديهم و ليأكلوا بسرعة قياما. و مهما فضل عن عشائهم فما بقي الى الغد فليحرقوه بالنار و شرع لهم هذا عيدا لا عقابهم ما دامت التوراة معمولا بها فإذا نسخت بطل شرعها و قد وقع. قالوا و قتل اللَّه عز و جل في تلك الليلة أبكار القبط و أبكار دوابهم ليشتغلوا عنهم و خرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار و أهل مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم و أبكار أموالهم ليس من بيت الا و فيه عويل. و حين جاء الوحي الى موسى خرجوا مسرعين فحملوا العجين قبل اختماره و حملوا الأزواد في الأردية و ألقوها على عواتقهم* و كانوا قد استعاروا من أهل مصر حليا كثيرا فخرجوا و هم ستمائة ألف رجل سوى الذراري بما معهم من الانعام و كانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة و ثلاثين سنة. هذا نص كتابهم.
و هذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ و هذا العيد عيد الفسخ. و لهم عيد الفطير و عيد الحمل و هو أول السنة* و هذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم منصوص عليها في كتابهم. و لما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف (عليه السلام) و خرجوا على طريق بحر سوف. و كانوا في النهار يسيرون و السحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عامود نور و بالليل أمامهم عامود نار فانتهى بهم الطريق الى ساحل البحر فنزلوا هنالك و أدركهم فرعون و جنوده من المصريين و هم هناك حلول على شاطئ اليم فقلق كثير من بنى إسرائيل حتى قال قائلهم كان بقاؤنا بمصر أحبّ إلينا من الموت بهذه البرية. و قال موسى (عليه السلام) لمن قال هذه المقالة لا تخشوا فان فرعون و جنوده لا يرجعون الى بلدهم بعد هذا. قالوا و امر اللَّه موسى (عليه السلام) أن يضرب البحر بعصاه و أن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل في البحر و اليبس. و صار الماء من هاهنا و هاهنا كالجبلين و صار وسطه يبسا لان اللَّه سلط عليه ريح الجنوب و السموم فجاز بنو إسرائيل البحر و اتبعهم فرعون و جنوده فلما توسطوه أمر اللَّه موسى فضرب البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم. لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل و أن البحر ارتطم عليهم عند الصبح و هذا من غلطهم و عدم فهمهم في تعريبهم و اللَّه أعلم. قالوا و لما أغرق اللَّه فرعون و جنوده حينئذ سبح موسى و بنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب و قالوا (نسبح الرب البهي الّذي قهر الجنود و نبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود) و هو تسبيح طويل. قالوا و أخذت مريم النبية أخت هارون دفا بيدها و خرج النساء في أثرها كلهن بدفوف و طبول و جعلت مريم ترتل لهن و تقول سبحان الرب القهار الّذي قهر الخيول و ركبانها إلقاء في البحر هكذا رأيته في كتابهم. و لعل هذا هو من الّذي حمل محمد بن كعب القرظي على زعمه أن مريم بنت