البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
(وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) فدل على وجود الظلام و كونهم تاهوا عن الطريق* و جمع الكل في سورة النمل في قوله إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.
و قد أتاهم منها بخبر و أي خبر و وجد عندها هدى و أيّ هدى و اقتبس منها نورا و أي نور. قال اللَّه تعالى فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. و قال في النمل فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي سبحان اللَّه الّذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد (يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) و قال في سورة طه فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً. وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى). قال غير واحد من المفسرين من السلف و الخلف لما قصد موسى الى تلك النار التي رآها فانتهى اليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج و كل ما لتلك النار في اضطرام و كل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد فوقف متعجبا و كانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ و كان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة و تلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما و تكريما و توقيرا لتلك البقعة المباركة و لا سيما في تلك الليلة المباركة.
و عند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له و خوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له إني أنا اللَّه رب العالمين* إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي أنا رب العالمين الّذي لا إله إلا هو الّذي لا تصلح العبادة و اقامة الصلاة إلا له. ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار و إنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها و وجودها (لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) أي من خير و شر. و حضه و حثه على العمل لها و مجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه و اتبع هواه ثم قال له مخاطبا و مؤانسا و مبينا له أنه القادر على كل شيء الّذي يقول للشيء كن فيكون. (وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى). أي بل هذه عصاي التي أعرفها و أتحققها (قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى). و هذا خارق عظيم و برهان قاطع على أن الّذي يكلمه يقول للشيء كن فيكون و أنه الفعال بالاختيار* و عند أهل الكتاب أنه سأل برهانا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب