البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٥ - قصة إبراهيم الخليل (عليه السلام)
تعالى فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً أي حطاما كسرها كلها إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير إشارة الى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار. فلما رجعوا من عيدهم و وجدوا ما حل بمعبودهم قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ و هذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون و هو ماحل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم و قلة عقلهم و كثرة ضلالهم و خبالهم مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) أي يذكرها بالعيب و التنقص لها و الازدراء بها فهو المقيم عليها و الكاسر لها. و على قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله و تاللَّه لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) أي في الملأ الأكبر على رءوس الاشهاد لعلهم يشهدون مقالته و يسمعون كلامه و يعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه و كان هذا أكبر مقاصد الخليل (عليه السلام) أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى (عليه السلام) لفرعون (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) فلما اجتمعوا و جاءوا به كما ذكروا (قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها و إنما عرض لهم في القول (فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) و انما أراد بقوله هذا أن يبادروا الى القول بأن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي في تركها لا حافظ لها و لا حارس عندها (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) قال السدي أي ثم رجعوا الى الفتنة فعلى هذا يكون قوله إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي في عبادتها* و قال قتادة أدركت القوم حيرة سوء أي فاطرقوا ثم قالوا (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل (عليه السلام) (أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ) كما قال (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) قال مجاهد يسرعون* قال (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب و الحجارة و تصورونها و تشكلونها كما تريدون (وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ) و سواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الّذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون و هذه الأصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم و هذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح و لا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له (قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ. فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ). عدلوا عن الجدال و المناظرة لما انقطعوا و غلبوا و لم تبق لهم حجة و لا شبهة الى استعمال قوتهم و سلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم و طغيانهم فكادهم الرب جل جلاله و أعلى كلمته و دينه و برهانه كما قال