البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٤ - قصة إبراهيم الخليل (عليه السلام)
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. و قال تعالى في سورة الصافات وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ. أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ. فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ. فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ. فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ. فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ. قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ. قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ. فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ يخبر اللَّه تعالى عن إبراهيم خليله (عليه السلام) انه أنكر على قومه عبادة الأوثان و حقرها عندهم و صغرها و تنقصها فقال (ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ) أي معتكفون عندها و خاضعون لها قالوا (وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء و الأجداد و ما كانوا عليه من عبادة الأنداد (قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ. أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) كما قال تعالى إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ. أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ. فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ قال قتادة فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه و قد عبدتم غيره و قال لهم (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ) سلموا له أنها لا تسمع داعيا و لا تنفع و لا تضر شيئا و انما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم و من هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال و لهذا قال لهم (أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) و هذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما ادعوه من الأصنام لأنه تبرأ منها و تنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه (قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) يقولون هذا الكلام الّذي تقوله لنا و تتنقص به آلهتنا و تطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا (قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَ أَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) يعنى بل أقول لكم ذلك جادا محقا و إنما إلهكم اللَّه الّذي لا إله الا هو ربكم و رب كل شيء فاطر السموات و الأرض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له و أنا على ذلكم من الشاهدين. و قوله (وَ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين الى عيدهم. قيل إنه قال هذا خفية في نفسه و قال ابن مسعود سمعه بعضهم و كان لهم عيد يذهبون اليه في كل عام مرة الى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره فقال إني سقيم كما قال تعالى فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ.
عرض لهم في الكلام حتى توصل الى مقصوده من إهانة أصنامهم و نصرة دين اللَّه الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر و أن تهان غاية الإهانة* فلما خرجوا الى عيدهم و استقر هو في بلدهم راغ إِلى آلِهَتِهِمْ أي ذهب اليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم و قد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا اليها (فقال) لها على سبيل التهكم و الازدراء (أَ لا تَأْكُلُونَ. ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ. فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) لأنها أقوى و أبطش و أسرع و أقهر فكسرها بقدوم في يده كما قال