البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤ - خطبة الكتاب
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
[خطبة الكتاب]
الحمد للَّه الأول الآخر، الباطن الظاهر، الّذي هو بكل شيء عليم، الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء الباطن، فليس دونه شيء، الأزلي القديم الّذي لم يزل موجودا بصفات الكمال، و لا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء و لا انفصال و لا زوال.
يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، و عدد الرمال. و هو العلى الكبير المتعال، العلى العظيم الّذي خلق كل شيء فقدره تقديرا.
و رفع السموات بغير عمد، و زينها بالكواكب الزاهرات، و جعل فيها سراجا و قمرا منيرا.
و سوى فوقهن سريرا، شرجعا [١] عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا- و هو العرش العظيم- له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، و تحفه الكروبيون عليهم الصلاة و السلام، و لهم زجل بالتقديس و التعظيم. و كذا أرجاء السموات مشحونة بالملائكة، و يفد منهم في كل يوم سبعون ألفا الى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون اليه، آخر ما عليهم [٢] في تهليل و تحميد و تكبير و صلاة و تسليم.
و وضع الأرض للأنام على تيار الماء. و جعل فيها روسي من فوقها و بارك فيها و قدر فيها أقواتها
[١] الشرجع: هو العالي المنيف كما يأتى شرحه عن المؤلف نفسه.
[٢] (قوله آخر ما عليهم) خبر مبتدإ محذوف أي هذا آخر ما عليهم أي أن دخولهم البيت و عدم عودهم اليه بعد خروجهم منه آخر ما عليهم بالنسبة للبيت. (محمود الامام)