البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥١ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
على سبيل التهكم و التنقص لما قرره موسى (عليه السلام) ألا تسمعون يعنى كلامه هذا قال موسى مخاطبا له و لهم رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ أي هو الّذي خلقكم و الذين من قبلكم من الآباء و الأجداد و القرون السالفة في الآباد فان كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه و لا أبوه و لا أمه و لم يحدث من غير محدث و إنما أوجده و خلقه رب العالمين. و هذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ و مع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته و لا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه و عنادة و كفرانه قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة. المسيرة للأفلاك الدائرة. خالق الظلام و الضياء. و رب الأرض و السماء رب الأولين و الآخرين خالق الشمس و القمر و الكواكب السائرة و الثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه و النهار بضيائه و الكل تحت قهره و تسخيره و تسييره سائرون و فلك يسبحون يتعاقبون في سائر الأوقات و يدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء. فلما قامت الحجج على فرعون و انقطعت شبهه و لم يبق له قول سوى العناد عدل الى استعمال سلطانه و جاهه و سطوته قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ و هذان هما البرهانان اللذان أيده اللَّه بهما و هما العصا و اليد. و ذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الّذي بهر به العقول و الأبصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. أي عظيم الشكل بديع في الضخامة و الهول و المنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك و عاينه أخذه رهب شديد و خوف عظيم بحيث انه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم و كان قبل ذلك لا يتبزر في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال* و هكذا لما أدخل موسى (عليه السلام) يده في جيبه و استخرجها أخرجها و هي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الأبصار فإذا أعادها إلى جيبه رجعت الى صفتها الاولى و مع هذا كله لم ينتفع فرعون لعنه اللَّه بشيء من ذلك بل استمر على ما هو عليه و أظهر أن هذا كله سحر و أراد معارضته بالسحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته و من في رعيته و تحت قهره و دولته كما سيأتي بسطه و بيانه في موضعه من إظهار اللَّه الحق المبين و الحجة الباهرة القاطعة على فرعون و ملئه و أهل دولته و ملته و للَّه الحمد و المنة. و قال تعالى في سورة طه فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى اليه و أنعم بالنّبوّة عليه و كلمه منه اليه قد كنت مشاهدا