البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - فصل فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون
عمران أم عيسى هي أخت هارون و موسى مع قوله يا أخت هارون* و قد بينا غلطه في ذلك و ان هذا لا يمكن أن يقال و لم يتابعه أحد عليه بل كل واحد خالفه فيه و لو قدر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى و هارون (عليها السلام) و أم عيسى (عليها السلام) وافقتها في الاسم و اسم الأب و اسم الأخ لأنهم كما
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمغيرة بن شعبة لما سأله أهل نجران عن قوله يا أخت هارون فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ذلك فقال أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم رواه مسلم.
و قولهم النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة و من بيت الإمرة أميرة و ان لم تكن مباشرة شيئا من ذلك فكذا هذه استعارة لها لا أنها نبية حقيقة يوحى اليها و ضربها بالدف في مثل هذا اليوم الّذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد* و هذا مشروع لنا أيضا في حق النساء
لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في أيام منى و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مضطجع مولى ظهره اليهم و وجهه الى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن و قال أ بمزمار الشيطان في بيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال دعهن يا أبا بكر فان لكل قوم عيدا و هذا عيدنا.
و هكذا يشرع عندنا في الأعراس و لقدوم الغياب كما هو مقرر في موضعه و اللَّه أعلم. و ذكروا أنهم لما جاوزوا البحر و ذهبوا قاصدين الى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك فوجدوا ماء زعاقا أجاجا لم يستطيعوا شربه فامر اللَّه موسى فاخذ خشبة فوضعها فيه فحلا و ساغ شربه و علمه الرب هنالك فرائض و سننا و وصاه وصايا كثيرة. و قد قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قالوا هذا الجهل و الضلال و قد عاينوا من آيات اللَّه و قدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال و الاكرام و ذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصناما قيل كانت على صور البقر فكأنهم سألوهم لم يعبدونها فزعموا لهم أنها تنفعهم و تضرهم و يسترزقون بها عند الضرورات فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة فقال لهم مبينا لهم أنهم لا يعقلون و لا يهتدون إن هؤلاء متبر ما هم فيه و باطل ما كانوا يعملون. ثم ذكرهم نعمة اللَّه عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم و الشرع و الرسول الّذي بين أظهرهم و ما أحسن به اليهم و ما امتن به عليهم من انجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد و إهلاكه إياه و هم ينظرون و توريثه إياهم ما كان فرعون و ملؤه يجمعونه من الأموال و السعادة و ما كانوا يعرشون و بين لهم أنه لا تصلح العبادة الا للَّه وحده لا شريك له لانه الخالق الرازق القهار و ليس كل بنى إسرائيل سأل هذا السؤال بل هذا الضمير عائد على الجنس في قوله وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ