البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - ذكر نبوة يوشع و قيامه بأعباء بنى إسرائيل بعد موسى و هارون (عليهما السلام)
هو موسى و إنما كان يوشع على مقدمته و ذكر في مروره اليها قصة بلعام بن باعور الّذي قال تعالى فيه وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ. ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ أَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ و قد ذكرنا قصته في التفسير و أنه كان فيما قاله ابن عباس و غيره يعلم الاسم الأعظم و أن قومه سألوه أن يدعو على موسى و قومه فامتنع عليهم و لما ألحوا عليه ركب حمارة له. ثم سار نحو معسكر بنى إسرائيل فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت فسارت غير بعيد و ربضت فضربها ضربا أشد من الأول فقامت ثم ربضت فضربها فقالت له يا بلعام أين تذهب أما ترى الملائكة أمامى تردني عن وجهي هذا أ تذهب الى نبي اللَّه و المؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم من رأس جبل حسبان. و نظر الى معسكر موسى و بنى إسرائيل فاخذ يدعو عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى و قومه و يدعو على قوم نفسه فلاموه على ذلك فاعتذر اليهم بانه لا يجرى على لسانه إلا هذا و اندلع لسانه حتى وقع على صدره و قال لقومه ذهبت منى الآن الدنيا و الآخرة و لم يبق إلا المكر و الحيلة. ثم أمر قومه أن يزينوا النساء و يبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم و يتعرضن لهم حتى لعلهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجل منهم كفيتموهم ففعلوا و زينوا نساءهم و بعثوهن الى المعسكر فمرت امرأة منهم سمها كستي برجل من عظماء بنى إسرائيل و هو زمري بن شلوم.
يقال إنه كان رأس سبط بنى شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته فلما خلا بها أرسل اللَّه الطاعون على بنى إسرائيل فجعل يحوس فيهم فلما بلغ الخبر الى فنحاص بن العزار بن هارون أخذ حربته و كانت من حديد فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعا فيها ثم خرج بهما على الناس و الحربة في يده و قد اعتمد على خاصرته و أسندها الى لحيته و رفعهما نحو السماء و جعل يقول اللَّهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك و رفع الطاعون فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين الفا و المقلل يقول عشرين الفا و كان فنحاص بكر أبيه العزار ابن هارون فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة اللية و الذراع و اللحى و لهم البكر من كل أموالهم و أنفسهم. و هذا الّذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من علماء السلف لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من الديار المصرية و لعله مراد ابن إسحاق و لكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه و قد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا و اللَّه أعلم. و لعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه فان في هذا السياق ذكر حسبان و هي بعيدة عن أرض بيت المقدس أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس كما صرح به السدي. و اللَّه أعلم. و على كل تقدير فالذي عليه الجمهور أن هارون توفى بالتيه