البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٤ - ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم بن الكريم عليهما الصلاة و التسليم
يوسف بن يعقوب بن سحق بن إبراهيم.
و ذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حيات أبيه كان عمره أربعين سنة و أنها كانت عاقرا فدعا اللَّه لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو و هو الّذي تسميه العرب العيص و هو والد الروم* و الثاني خرج و هو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب و هو إسرائيل الّذي ينتسب اليه بنو إسرائيل قالوا و كان إسحاق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكرة و كانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لأنه الأصغر قالوا فلما كبر إسحاق و ضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما و أمره أن يذهب فيصطاد له صيدا و يطبخه له ليبارك عليه و يدعو له و كان العيص صاحب صيد فذهب يبتغى ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه و يصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه و يأتى إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه و جعلت على ذراعيه و عنقه من جلد الجديين لأن العيص كان أشعر الجسد و يعقوب ليس كذلك فلما جاء به و قربه اليه قال من أنت قال ولدك فضمه اليه و جسه و جعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب و أما الجس و الثياب فالعيص فلما أكل و فرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا و كلمته عليهم و على الشعوب بعده و أن يكثر رزقه و ولده* فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه اليه فقال له ما هذا يا بنى قال هذا الطعام الّذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة و أكلت منه و دعوت لك فقال لا و اللَّه و عرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا. و ذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما و سأل أباه فدعا له بدعوة أخرى و أن يجعل لذريته غليظ الأرض و أن يكثر أرزاقهم و ثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لا بان الّذي بأرض حران و أن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه و أن يتزوج من بناته. و قالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك و يوصيه و يدعو له ففعل فخرج يعقوب (عليه السلام) من عندهم من آخر ذلك اليوم فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه و نام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الأرض و إذا الملائكة يصعدون فيه و ينزلون و الرب تبارك و تعالى يخاطبه و يقول له إني سأبارك عليك و أكثر ذريتك و اجعل لك هذه الأرض و لعقبك من بعدك. فلما هب من نومه فرح بما رأى و نذر للَّه لئن رجع الى أهله سالما ليبنين في هذا الموضع معبد اللَّه عز و جل و أن جميع ما يرزقه من شيء يكون للَّه عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به و سمى ذلك الموضع بيت إيل أي بيت اللَّه و هو موضع بيت المقدس اليوم الّذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا و اسم الصغرى راحيل و كانت أحسنهما و أجملهما فأجابه الى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لابان صنع طعاما و جمع الناس عليه و زف اليه ليلا